تفسیر سوره اعراف
7 سورة الأعراف مكية و هي مائتان و ست آية 206
بسم الله الرحمن الرحيم ، المص كتاب أنزل إليك مخاطبة لرسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فلا يكن في صدرك حرج منه أي ضيق لتنذر به و ذكرى للمؤمنين
تفسير القمي ج : 1ص :223
حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليهالسلام) قال إن حيي بن أخطب و أخاه أبا ياسر بن أخطب و نفرا من اليهود من أهل نجران أتوا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فقالوا له أ ليس فيما تذكر فيما أنزل إليك الم ؟ قال بلى ، قالوا أتاك بها جبرئيل من عند الله ؟ قال نعم ، قالوا لقد بعت أنبياء قبلك ، ما نعلم نبيا منهم أخبر ما مدة ملكه و ما أكل أمته غيرك ، قال (عليهالسلام) فأقبل حيي بن أخطب على أصحابه ، فقال لهم الألف واحد و اللام ثلاثون و الميم أربعون فهذه واحد و سبعون سنة ، فعجب ممن يدخل في دينه و مدة ملكه و أكل أمته أحد و سبعون سنة ، قال (عليهالسلام) ثم أقبل على رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فقال له يا محمد هل مع هذا غير ؟ قال نعم ، قال هاته ، قال المص قال أثقل و أطول ، الألف واحد و اللام ثلاثون و الميم أربعون و الصاد تسعون فهذه مائة و أحد و ستون سنة ، ثم قال لرسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) هل مع هذا غيره ؟ قال نعم قال هات ، قال الر ، قال هذا أثقل و أطول ، الألف واحد و اللام ثلاثون و الراء مائتان فهل مع هذا غيره ؟ قال نعم ، قال هات ، قال : المرا قال هذا أثقل و أطول ، الألف واحد و اللام ثلاثون و الميم أربعون و الراء مائتان ، ثم قال فهل مع هذا غيره ؟ قال نعم ، قال لقد التبس علينا أمرك فما ندري ما أعطيت ، ثم قاموا عنه ثم قال أبو ياسر لحيي أخيه ! و ما يدريك لعل محمدا قد جمع هذا كله و أكثر منه ، فقال أبو جعفر (عليهالسلام) إن هذه الآيات أنزلت منهن آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات و هي تجري في وجوه أخر على غير ما تأول به حيي و أبو ياسر و أصحابه .
ثم خاطب الله تبارك و تعالى الخلق فقال اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونه أولياء غير محمد قليلا ما تذكرون و قوله و كم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أي عذابا بالليل أو هم قائلون يعني نصف النهار و قوله فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فإنه محكم
تفسير القمي ج : 1ص :224
و قوله فلنسئلن الذين أرسل إليهم و لنسئلن المرسلين قال الأنبياء ، عما حملوا من الرسالة ، و قوله فلنقصن عليهم بعلم و ما كنا غائبين قال لم نغب عن أفعالهم و قوله و الوزن يومئذ الحق قال المجازات بالأعمال إن خيرا فخير و إن شرا فشر و هو قوله فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون و من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون قال بالأئمة يجحدون و قوله و لقد مكناكم في الأرض و جعلنا لكم فيها معايش أي مختلفة قليلا ما تشكرون أي لا تشكرون الله و قوله و لقد خلقناكم ثم صورناكم أي خلقناكم في أصلاب الرجال و صورناكم في أرحام النساء ثم قال و صور ابن مريم في الرحم دون الصلب و إن كان مخلوقا في أصلاب الأنبياء ، و رفع و عليه مدرعة من صوف ، حدثنا أحمد بن محمد عن جعفر بن عبد الله المحمدي قال حدثنا كثير بن عياش عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله « و لقد خلقناكم ثم صورناكم » أما خلقناكم فنطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما ، و أما صورناكم فالعين و الأنف و الأذنين و الفم و اليدين و الرجلين صور هذا و نحوه ثم جعل الدميم و الوسيم و الطويل و القصير و أشباه هذا ، و أما قوله لآتينهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم أما بين أيديهم فهو من قبل الآخرة لأخبرنهم أنه لا جنة و لا نار و لا نشور ، و أما خلفهم يقول من قبل دنياهم آمرهم بجمع الأموال و آمرهم أن لا يصلوا في أموالهم رحما و لا يعطوا منه حقا و آمرهم أن يقللوا على ذرياتهم و أخوفهم عليهم الضيعة ، و أما عن أيمانهم يقول من قبل دينهم فإن كانوا على ضلالة زينتها لهم و إن كانوا على هدى جهدت عليهم حتى أخرجهم منه ، و أما عن شمائلهم يقول من قبل اللذات و الشهوات يقول الله و لقد صدق عليكم إبليس ظنه و أما قوله اخرج منها مذءوما مدحورا فالمذءوم المعيب و المدحور المقصر و قوله « اخرج منها مذءوما مدحورا » أي ملقى في جهنم و قوله يا آدم
تفسير القمي ج : 1ص :225
اسكن أنت و زوجك الجنة فكلا من حيث شئتما و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين و كان كما حكى الله فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما و قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين و قاسمهما أي حلفهما إني لكما لمن الناصحين روي عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال لما أخرج آدم من الجنة نزل جبرئيل (عليهالسلام) فقال يا آدم أ ليس الله خلقك بيده فنفخ فيك من روحه و أسجد لك ملائكته و زوجك حواء أمته و أسكنك الجنة و أباحها لك و نهاك مشافهة أن لا تأكل من هذه الشجرة فأكلت منها و عصيت الله . فقال آدم (عليهالسلام) يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله أنه لي ناصح فما ظننت أن أحدا من خلق الله يحلف بالله كاذبا ، و قوله فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما حدثنا أحمد بن إدريس أخبرنا أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليهالسلام) في قوله « بدت لهما سوءاتهما » قال كانت سوءاتهما لا تبدو لهما يعني كانت داخلة و قوله : و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة أي يغطيان سوءاتهما به و ناداهما ربهما أ لم أنهكما عن تلكما الشجرة و أقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين فقالا كما حكى الله ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين فقال الله اهبطوا بعضكم لبعض عدو يعني آدم و إبليس و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين يعني إلى القيامة .
و قوله يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم و ريشا و لباس التقوى ذلك خير قال لباس التقوى لباس البياض و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم
تفسير القمي ج : 1ص :226
و ريشا » فأما اللباس فالثياب التي يلبسون ، و أما الرياش فالمتاع و المال ، و أما لباس التقوى فالعفاف لأن العفيف لا تبدو له عورة و إن كان عاريا من الثياب ، و الفاجر بادي العورة و إن كان كاسيا من الثياب ، يقول و لباس التقوى ذلك خير يقول العفاف خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون و قوله يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة فإنه محكم ، و أما قوله و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله أمرنا بها قال الذين عبدوا الأصنام ، فرد الله عليهم فقال قل لهم إن الله لا يأمر بالفحشاء أ تقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط أي بالعدل و أقيموا وجوهكم عند كل مسجد و ادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون أي في القيامة فريقا هدى و فريقا حق عليهم الضلالة يعني العذاب وجب عليهم ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله « كما بدأكم تعودون فريقا هدى و فريقا حق عليهم الضلالة » قال خلقهم حين خلقهم مؤمنا و كافرا و شقيا و سعيدا و كذلك يعودون يوم القيامة مهتديا و ضالا يقول إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله و يحسبون أنهم مهتدون و هم القدرية الذين يقولون لا قدر و يزعمون أنهم قادرون على الهدى و الضلالة
تفسير القمي ج : 1ص :227
و ذلك إليهم إن شاءوا اهتدوا و إن شاءوا ضلوا و هم مجوس هذه الأمة و كذب أعداء الله المشية و القدرة لله « كما بدأكم تعودون » من خلقه الله شقيا يوم خلقه كذلك يعود إليه شقيا و من خلقه سعيدا يوم خلقه كذلك يعود إليه سعيدا ، قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) الشقي من شقي في بطن أمه و السعيد من سعد في بطن أمه و أما قوله
تفسير القمي ج : 1ص :228
خذوا زينتكم عند كل مسجد فإن أناسا كانوا يطوفون عراتا بالبيت الرجال
تفسير القمي ج : 1ص :229
بالنهار و النساء بالليل ، فأمرهم الله بلبس الثياب و كانوا لا يأكلون إلا قوتا فأمرهم الله أن يأكلوا و يشربوا و لا يسرفوا و قوله قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و هي الثياب و الطيبات من الرزق و هي الحلال قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا اشترك فيها البر و الفاجر خالصة يوم القيامة للذين آمنوا كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون و قوله « يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد » قال في العيدين و الجمعة يغتسل و يلبس ثيابا بيضا ، و روي أيضا المشط عند كل
تفسير القمي ج : 1ص :230
صلاة ، و قوله « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق » و هي حكاية معناها قالوا من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق فقال الله قل لهم هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ، قل من آمن في الدنيا فهذه الطيبات لهم خالصة عند الله يوم القيامة ثم قال قل لهم إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن قال من ذلك أئمة الجور و الإثم يعني به الخمر و البغي بغير الحق و أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون و هذا رد على من قال في دين الله بغير علم و حكم فيه بغير حكم الله فعليه مثل ما على من أشرك بالله و استحل المحارم و الفواحش ، فالقول على الله محرم بغير علم مثل هذه المعاني ، و قوله و الذين كذبوا بآياتنا و استكبروا عنها الآية فإنه محكم و قوله فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي ينالهم ما في كتابنا من عقوبات المعاصي و قوله قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا أي يضلوا و قوله : قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن و الإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا يعني اجتمعوا و قوله « أختها » أي التي كانت بعدها تبعوهم على عبادة الأصنام و قوله قالت أخريهم لأوليهم ربنا هؤلاء أضلونا يعني أئمة الجور فآتهم عذابا ضعفا من النار فقال الله لكل ضعف و لكن لا تعلمون ثم قال أيضا و قالت أوليهم لأخريهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون قالوا شماتة بهم .
و أما قوله إن الذين كذبوا بآياتنا و استكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء و لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فإنه حدثني أبي عن فضالة عن أبان بن عثمان عن ضريس عن أبي جعفر (عليهالسلام) قال نزلت هذه الآية في طلحة و الزبير و الجمل جملهم و الدليل على أن جنان الخلد في السماء قوله « لا تفتح لهم
تفسير القمي ج : 1ص :231
أبواب السماء و لا يدخلون الجنة » و الدليل أيضا على أن النيران في الأرض قوله في سورة مريم « و يقول الإنسان أ إذا ما مت لسوف أخرج حيا أ و لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل و لم يك شيئا فو ربك لنحشرنهم و الشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا » و معنى حول جهنم البحر المحيط بالدنيا يتحول نيرانا و هو قوله « و إذا البحار سجرت » ثم يحضرهم الله حول جهنم و يوضع الصراط من الأرض إلى الجنان و قوله جثيا أي على ركبهم ثم قال « و نذر الظالمين فيها جثيا » يعني في الأرض إذا تحولت نيرانا و قوله لهم من جهنم مهاد أي مواضع و من فوقهم غواش أي نار تغشاهم و قوله لا نكلف نفسا إلا وسعها أي ما يقدرون عليه و قوله و نزعنا ما في صدورهم من غل قال العداوة ينزع منهم أي من المؤمنين في الجنة فإذا دخلوا الجنة قالوا كما حكى الله الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق و نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون و أما قوله و نادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين فإنه حدثني أبي عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليهالسلام) قال المؤذن أمير المؤمنين (عليهالسلام) يؤذن أذانا يسمع الخلائق كلها ، و الدليل على ذلك قول الله عز و جل في سورة البراءة « و أذان من الله و رسوله » فقال أمير المؤمنين (عليهالسلام) كنت أنا الأذان في الناس و أما قوله و بينهما حجاب و على الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم فإنه حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن بريد [ يزيد ] عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال الأعراف كثبان بين الجنة و النار ، و الرجال الأئمة (عليهمالسلام) ، يقفون على الأعراف مع شيعتهم و قد سيق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب ، فيقول الأئمة لشيعتهم من أصحاب الذنوب انظروا إلى إخوانكم في الجنة قد سيقوا [ سبقوا ] إليها بلا
تفسير القمي ج : 1ص :232
حساب ، و هو قوله تبارك و تعالى سلام عليكم لم يدخلوها و هم يطمعون ثم يقال لهم انظروا إلى أعدائكم في النار و هو قوله و إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين و نادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم في النار ف قالوا ما أغنى عنكم جمعكم في الدنيا و ما كنتم تستكبرون ثم يقولون لمن في النار من أعدائهم أ هؤلاء شيعتي و إخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في الدنيا أن لا ينالهم الله برحمة ثم يقول الأئمة لشيعتهم ادخلوا الجنة لا خوف عليكم و لا أنتم تحزنون ثم نادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله .
حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي عن أبي الربيع قال حججت مع أبي جعفر (عليهالسلام) في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك ، و كان معه نافع مولى عمر بن الخطاب ، فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليهالسلام) في ركن البيت و قد اجتمع عليه الناس فقال يا أمير المؤمنين من هذا الذي تكافأ عليه الناس ؟ قال هذا ابن [ بني ] أهل الكوفة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهالسلام) ، فقال لآتينه فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي ، قال فاذهب إليه فاسأله لعلك تخجله ، فجاء نافع حتى اتكأ على الناس فأشرف على أبي جعفر (عليهالسلام) فقال يا محمد بن علي إني قرأت التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان و قد عرفت حلالها و حرامها و قد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي ، فرفع أبو جعفر (عليهالسلام) رأسه فقال سل عما بدا لك ، قال أخبرني كم كان بين عيسى و محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) من سنة ؟ فقال أخبرك بقولك أم بقولي ؟ قال أخبرني بالقولين جميعا ، قال أما في قولي فخمس مائة سنة ، و أما في قولك فستمائة سنة ، قال أخبرني عن قول الله تعالى « و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أ جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون » من الذي سأله محمد
تفسير القمي ج : 1ص :233
(صلىاللهعليهوآلهوسلّم) ؟ و كان بينه و بين عيسى خمسمائة سنة ، قال فتلا أبو جعفر (عليهالسلام) هذه الآية « سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا » كان من الآيات التي أراها الله محمدا (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) حيث أسرى به إلى البيت المقدس أنه حشر الله له الأولين و الآخرين من النبيين و المرسلين ثم أمر جبرئيل (عليهالسلام) فأذن شفعا و أقام شفعا و قال في إقامته حي على خير العمل ، ثم تقدم محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فصلى بالقوم فلما انصرف قال الله له : سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا أ جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ، فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) على ما تشهدون و ما كنتم تعبدون ؟ قالوا نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنك رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) أخذت على ذلك عهودنا و مواثيقنا ، قال نافع صدقت يا أبا جعفر ، فأخبرني عن قول الله تعالى : « يوم تبدل الأرض غير الأرض و السموات » بأي أرض الذي تبدل ؟ فقال أبو جعفر (عليهالسلام) بخبزة بيضاء يأكلون منها حتى يفرغ الله من حساب الخلائق ، فقال
تفسير القمي ج : 1ص :234
نافع إنهم عن الأكل لمشغولون ، فقال أبو جعفر (عليهالسلام) أ هم حينئذ أشغل أو و هم في النار ؟ فقال نافع بل و هم في النار ، قال (عليهالسلام) فقد قال الله « و نادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله » ما شغلهم إذا
تفسير القمي ج : 1ص :235
دعوا الطعام فأطعموا الزقوم و دعوا بالشراب فسقوا الحميم ، فقال صدقت يا بن رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و بقيت مسألة واحدة ، قال و ما هي ؟ قال أخبرني عن الله متى كان ؟ قال ويلك أخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى كان ، سبحان من لم يزل و لا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة و لا ولدا ، ثم قال (عليهالسلام) يا نافع أخبرني عما أسألك عنه ، فقال هات يا أبا جعفر قال (عليهالسلام) : ما تقول في أصحاب النهروان ؟ قال فإن قلت إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت أي رجعت إلى الحق و إن قلت إنه قتلهم باطلا فقد كفرت ، قال فولى عنه و هو يقول أنت و الله أعلم الناس حقا حقا ، ثم أتى هشام بن عبد الملك فقال له ما صنعت ؟ قال دعني من كلامك هو و الله أعلم الناس حقا حقا و هو ابن رسول الله حقا حقا و يحق لأصحابه أن يتخذوه نبيا .
ثم قال عز و جل الذين اتخذوا دينهم لهوا و لعبا و غرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننساهم أي نتركهم و النسيان منه عز و جل هو الترك و قوله هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله فهو من الآيات التي تأويلها بعد تنزيلها ، قال ذلك
تفسير القمي ج : 1ص :236
في القائم (عليهالسلام) ، و يوم القيامة يقول الذين نسوه من قبل أي تركوه قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا قال هذا يوم القيامة أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم و ضل عنهم أي بطل عنهم ما كانوا يفترون و قوله إن ربكم الله الذي خلق السموات و الأرض في ستة أيام قال في ستة أوقات ثم استوى على العرش أي علا بقدرته على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا أي سريعا و قوله ادعوا ربكم تضرعا و خفية أي علانية و سرا و قوله و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها و ادعوه خوفا و طمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين قال أصلحها برسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و أمير المؤمنين (عليهالسلام) فأفسدوها حين تركوا أمير المؤمنين (عليهالسلام) .
و ذريته (عليهمالسلام) .
و قوله و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته إلى قوله كذلك نخرج الموتى دليل على البعث و النشور و هو رد على الزنادقة و قوله و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه و هو مثل الأئمة (عليهمالسلام) يخرج علمهم بإذن ربهم و الذي خبث مثل أعدائهم لا يخرج علمهم إلا نكدا كذبا فاسدا ، و قوله و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه نكتب خبر نوح و هود و صالح و شعيب في سورة هود إن شاء الله تعالى و قوله أ فأمنوا مكر الله قال المكر من الله العذاب و قوله أ و لم يهد للذين يرثون الأرض يعني أ و لم يبين من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم الآية ثم قال تلك القرى نقص عليك يا محمد من أنبائها يعني من أخبارها فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل في الذر الأول قال لا يؤمنون في الدنيا بما كذبوا في الذر الأول و هي رد على من أنكر الميثاق في الذر الأول ثم قال و ما وجدنا لأكثرهم من عهد أي ما عهدنا عليهم في الذر لم يفوا به في الدنيا و إن وجدنا أكثرهم لفاسقين و قوله و قال الملأ من قوم فرعون أ تذر موسى و قومه ليفسدوا في الأرض و يذرك و آلهتك قال كان
تفسير القمي ج : 1ص :237
فرعون يعبد الأصنام ثم ادعى بعد ذلك الربوبية ، فقال فرعون سنقتل أبناءهم و نستحيي نساءهم و إنا فوقهم قاهرون و قوله قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما جئتنا قال قال الذين آمنوا يا موسى قد أوذينا قبل مجيئك بقتل أولادنا و من بعد ما جئتنا لما حبسهم فرعون لإيمانهم بموسى ، فقال موسى عسى ربكم أن يهلك عدوكم و يستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون و معنى ينظر أي يرى كيف تعملون فوضع النظر مكان الرؤية ، و قوله و لقد أخذنا آل فرعون بالسنين و نقص من الثمرات يعني بالسنين الجدبة لما أنزل الله عليهم الطوفان و الجراد و الضفادع و الدم ، و أما قوله فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه قال الحسنة هاهنا الصحة و السلامة و الأمن و السعة و إن تصبهم سيئة قال السيئة هاهنا الجوع و الخوف و المرض يطيروا بموسى و من معه أي يتشاءموا بموسى و من معه .
و أما قوله و قالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم آيات مفصلات فاستكبروا و كانوا قوما مجرمين فإنه لما سجد السحرة و من آمن به من الناس قال هامان لفرعون إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل ، فجاء إليه موسى فقال له خل عن بني إسرائيل فلم يفعل فأنزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان ، فخرب دورهم و مساكنهم حتى خرجوا إلى البرية و ضربوا الخيام ، فقال فرعون لموسى ادع ربك حتى يكف عنا الطوفان حتى أخلي عن بني إسرائيل و أصحابك ، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان و هم فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل ، فقال له هامان إن خلت عن بني إسرائيل غلبك موسى و أزال ملكك ، فقبل منه و لم يخل عن بني إسرائيل ، فأنزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد فجردت كل شيء كان لهم من النبت و الشجر
تفسير القمي ج : 1ص :238
حتى كانت تجرد شعرهم و لحيتهم ، فجزع من ذلك جزعا شديدا ، و قال يا موسى ادع ربك أن يكف عنا الجراد حتى أخلي عن بني إسرائيل و أصحابك ، فدعا موسى ربه ، فكف عنهم الجراد فلم يدعه هامان أن يخلي عن بني إسرائيل ، فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل ، فذهبت زروعهم و أصابتهم المجاعة ، فقال فرعون لموسى إن دفعت عنا القمل كففت عن بني إسرائيل ، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل ، و قال أول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان ، فلم يخل عن بني إسرائيل ، فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع ، فكانت تكون في طعامهم و شرابهم و يقال إنها كانت تخرج من أدبارهم و آذانهم و آنافهم .
فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فجاءوا إلى موسى فقالوا ادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك و نرسل معك بني إسرائيل ، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك فلما أبوا أن يخلوا عن بني إسرائيل حول الله ماء النيل دما فكان القبطي يراه دما و الإسرائيلي يراه ماء فإذا شربه الإسرائيلي كان ماء و إذا شربه القبطي كان دما فكان القبطي يقول للإسرائيلي خذ الماء في فمك و صبه في فمي فإذا صبه في فم القبطي تحول دما فجزعوا جزعا شديدا ، فقالوا لموسى لإن رفع الله عنا الدم لنرسلن معك بني إسرائيل ، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا و لم يخلوا عن بني إسرائيل فأرسل الله عليهم الرجز و هو الثلج و لم يروه قبل ذلك فماتوا فيه و جزعوا جزعا شديدا و أصابهم ما لم يعهدوا قبله فقالوا ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك و لنرسلن معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني إسرائيل فلما خلى عنهم اجتمعوا إلى موسى (عليهالسلام) و خرج موسى من مصر و اجتمع إليه من كان هرب من فرعون و بلغ فرعون ذلك فقال له هامان قد نهيتك أن تخلي عن بني إسرائيل فقد اجتمعوا إليه فجزع فرعون و بعث في المدائن حاشرين و خرج في طلب موسى .
تفسير القمي ج : 1ص :239
و قوله و أورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض و مغاربها التي باركنا فيها يعني بني إسرائيل لما أهلك الله فرعون ورثوا الأرض و ما كان لفرعون و قوله و تمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا يعني الرحمة بموسى تمت لهم و دمرنا ما كان يصنع فرعون و قومه و ما كانوا يعرشون يعني المصانع و العريش و القصور ، و أما قوله و جاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فإنه لما غرق الله فرعون و أصحابه و عبر موسى و أصحابه البحر نظر أصحاب موسى إلى قوم يعكفون على أصنام لهم ، فقالوا لموسى يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال موسى إنكم قوم تجهلون ، إن هؤلاء متبر ما هم فيه و باطل ما كانوا يعملون ، قال أ غير الله أبغيكم إلها و هو فضلكم على العالمين و إذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم و يستحيون نساءكم و في ذلكم بلاء من ربكم عظيم و هو محكم ، و أما قوله و واعدنا موسى ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة فإن الله عز و جل أوحى إلى موسى أني أنزل عليك التوراة التي فيها الأحكام إلى أربعين يوما و هو ذو القعدة و عشرة من ذي الحجة ، فقال موسى لأصحابه إن الله تبارك و تعالى قد وعدني أن ينزل علي التوراة و الألواح إلى ثلاثين يوما ، و أمره الله أن لا يقول إلى أربعين يوما فتضيق صدورهم ، فذهب موسى إلى الميقات و استخلف هارون على بني إسرائيل فلما جاوز الثلاثون يوما و لم يرجع موسى ، غضبوا فأرادوا أن يقتلوا هارون و قالوا إن موسى كذبنا و هرب منا و اتخذوا العجل و اعبدوه ، فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله على موسى الألواح و ما يحتاجون إليه من الأحكام و الأخبار و السنن و القصص ، فلما أنزل الله عليه التوراة و كلمه قال ربي أرني أنظر إليك فأوحى الله لن تراني أي لا تقدر على ذلك و لكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
تفسير القمي ج : 1ص :240
قال فرفع الله الحجاب و نظر إلى الجبل فساخ الجبل في البحر فهو يهوي حتى الساعة و نزلت الملائكة و فتحت أبواب السماء ، فأوحى الله إلى الملائكة أدركوا موسى لا يهرب ، فنزلت الملائكة و أحاطت بموسى و قالوا تب يا بن عمران : فقد سألت الله عظيما ، فلما نظر موسى إلى الجبل قد ساخ و الملائكة قد نزلت ، وقع على وجهه ، فمات من خشية الله و هول ما رأى ، فرد الله عليه روحه فرفع رأسه و أفاق و قال سبحانك تبت إليك و أنا أول المؤمنين أي أول من أصدق أنك لا ترى ، فقال الله له يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي و بكلامي فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين فناداه جبرائيل يا موسى أنا أخوك جبرئيل .
و قوله و كتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة و تفصيلا أي كل شيء بأنه مخلوق و قوله فخذها بقوة أي قوة القلب و أمر قومك يأخذوا بأحسنها أي بأحسن ما فيها من الأحكام ، و قوله سأريكم دار الفاسقين أي يجيئكم قوم فساق تكون الدولة لهم و قوله سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق يعني أصرف القرآن عن الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا قال إذا رأوا الإيمان و الصدق و الوفاء و العمل الصالح لا يتخذوه سبيلا و إن يروا الشرك و الزنا و المعاصي يأخذوا بها و يعملوا بها و قوله و الذين كذبوا بآياتنا و لقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون فإنه محكم و قوله « هذا إلهكم و إله موسى فنسي » أي ترك و قوله « أ فلا يرون ألا يرجع إليهم قولا »
تفسير القمي ج : 1ص :241
يعني لا يتكلم العجل و ليس له منطق و أما قوله و لما سقط في أيديهم يعني لما جاءهم موسى و أحرق العجل قالوا لئن لم يرحمنا ربنا و يغفر لنا لنكونن من الخاسرين و لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئس ما خلفتموني من بعدي أ عجلتم أمر ربكم و ألقى الألواح و أخذ برأس أخيه يجره إليه إلى قوله إن ربك من بعدها لغفور رحيم فإنه محكم و قوله و اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل و إياي فإن موسى (عليهالسلام) لما قال لبني إسرائيل إن الله يكلمني و يناجيني لم يصدقوه ، فقال لهم اختاروا منكم من يجيء معي حتى يسمع كلامه ، فاختاروا سبعين رجلا من خيارهم و ذهبوا مع موسى إلى الميقات فدنا موسى فناجى ربه و كلمه الله تعالى ، فقال موسى لأصحابه اسمعوا و اشهدوا عند بني إسرائيل بذلك فقالوا له لن نؤمن حتى نرى الله جهرة فاسأله أن يظهر لنا ، فأنزل الله عليهم صاعقة فاحترقوا و هو قوله « و إذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة و أنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون » فهذه الآية في سورة البقرة و هي مع هذه الآية في سورة الأعراف فنصف الآية
تفسير القمي ج : 1ص :242
في سورة البقرة و نصفها في سورة الأعراف هاهنا ، فلما نظر موسى إلى أصحابه قد هلكوا حزن عليهم فقال رب لو شئت أهلكتهم من قبل و إياي أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا و ذلك أن موسى (عليهالسلام) ظن أن هؤلاء هلكوا بذنوب بني إسرائيل فقال إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء و تهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الغافرين و اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة و في الآخرة إنا هدنا إليك فقال الله تبارك و تعالى عذابي أصيب به من أشاء و رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكاة و الذين هم بآياتنا يؤمنون ثم ذكر فضل النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و فضل من تبعه فقال الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم يعني الثقل الذي كان على بني إسرائيل و هو أنه فرض الله عليهم الغسل و الوضوء بالماء و لم يحل لهم التيمم و لا يحل لهم الصلاة إلا في البيع و الكنائس و المحاريب ، و كان الرجل إذا أذنب خرج نفسه منتنا فيعلم أنه أذنب ، و إذا أصاب شيئا من بدنه البول قطعوه ، و لم يحل لهم المغنم فرفع ذلك رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) عن أمته ثم قال فالذين آمنوا به يعني برسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه يعني أمير المؤمنين (عليهالسلام) أولئك هم المفلحون فأخذ الله ميثاق رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) على الأنبياء أن يخبروا أممهم و ينصرونه ، فقد نصروه بالقول و أمروا أممهم بذلك و سيرجع رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و يرجعون و ينصرونه في الدنيا .
حدثني أبي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال جاء إبليس لعنه الله إلى موسى (عليهالسلام) و هو يناجي ربه ، فقال له ملك من الملائكة ويلك ما ترجو منه و هو على هذه الحالة يناجي ربه ، فقال أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم و هو في الجنة ، و كان
تفسير القمي ج : 1ص :243
مما ناجى الله موسى (عليهالسلام) يا موسى إني لا أقبل الصلاة إلا لمن تواضع لعظمتي و ألزم قلبه خوفي و قطع نهاره بذكري و لم يبت مصرا على الخطيئة و عرف حق أوليائي و أحبائي ، فقال موسى يا رب تعني بأوليائك و أحبائك إبراهيم و إسحاق و يعقوب ؟ قال هو كذلك إلا أني أردت بذلك من من أجله خلقت آدم و حواء و من أجله خلقت الجنة و النار ، فقال و من هو يا رب ؟ فقال محمد أحمد شققت اسمه من اسمي لأني أنا المحمود ، و هو محمد فقال موسى يا رب اجعلني من أمته فقال يا موسى أنت من أمته . إذا عرفته و عرفت منزلته و منزلة أهل بيته و أن مثله و مثل أهل بيته فيمن خلقت كمثل الفردوس في الجنان لا ينتثر ورقها و لا يتغير طعمها ، فمن عرفهم و عرف حقهم جعلت له عند الجهل علما و عند الظلمة نورا أجيبنه قبل أن يدعوني و أعطينه قبل أن يسألني . يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ، و إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب تعجلت عقوبته يا موسى إن الدنيا دار عقوبة . عاقبت فيها آدم عند خطيئته و جعلتها ملعونة ملعونة بمن فيها إلا ما كان فيها لي . يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم بها و سائرهم من خلقي رغبوا فيها بقدر جهلهم ، و ما أحد من خلقي عظمها فقرت عيناه فيها ، و لم يحقرها إلا تمتع بها ، ثم قال أبو عبد الله (عليهالسلام) إن قدرتم أن لا تعرفوها فافعلوا و ما عليك إن لم يثن عليك الناس و ما عليك أن تكون مذموما عند الناس و كنت عند الله محمودا ، إن أمير المؤمنين (عليهالسلام) كان يقول : لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين ، رجل يزداد كل يوم إحسانا ، و رجل يتدارك منيته بالتوبة ، و أنى له بالتوبة و الله إن سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت ، ألا و من عرف حقنا و رجا الثواب فينا رضي بقوته نصف مد كل يوم و ما يستر
تفسير القمي ج : 1ص :244
به عورته و ما أكن رأسه و هم في ذلك و الله خائفون وجلون .
و أما قوله و قطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما أي ميزناهم به و سألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا و يوم لا يسبتون لا تأتيهم فإنها قرية كانت لبني إسرائيل قريبا من البحر ، و كان الماء يجري عليها في المد و الجزر فيدخل أنهارهم و زروعهم ، و يخرج السمك من البحر حتى يبلغ آخر زرعهم ، و قد كان الله قد حرم عليهم الصيد يوم السبت و كانوا يضعون الشباك في الأنهار ليلة الأحد يصيدون بها السمك و كان السمك يخرج يوم السبت و يوم الأحد لا يخرج و هو قوله إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا و يوم لا يسبتون لا تأتيهم فنهاهم علماؤهم عن ذلك فلم ينتهوا فمسخوا قردة و خنازير ، و كانت العلة في تحريم الصيد عليهم يوم السبت أن عيد جميع المسلمين و غيرهم كان يوم الجمعة فخالفت اليهود و قالوا عيدنا يوم السبت فحرم الله عليهم الصيد يوم السبت و مسخوا قردة و خنازير .
حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليهالسلام) قال وجدنا في كتاب علي (عليهالسلام) أن قوما من أهل أيكة من قوم ثمود و أن الحيتان كانت سبقت إليهم يوم السبت ليختبر الله طاعتهم في ذلك فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم و قدام أبوابهم في أنهارهم و سواقيهم فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها فلبثوا في ذلك ما شاء الله لا ينهاهم عنها الأحبار و لا يمنعهم العلماء من صيدها ، ثم إن الشيطان أوحى إلى طائفة منهم أنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فلم تنهوا عن صيدها ، فاصطادوا يوم السبت و كلوها فيما سوى ذلك من الأيام ، فقالت طائفة منهم الآن نصطادها ، فعتت ، و انحازت طائفة أخرى منهم ذات اليمين فقالوا ننهاكم عن عقوبة الله أن تتعرضوا لخلاف أمره و اعتزلت طائفة منهم ذات اليسار فسكتت فلم تعظهم ، فقالت للطائفة التي وعظتهم
تفسير القمي ج : 1ص :245
لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ، فقالت الطائفة التي وعظتهم معذرة إلى ربكم لعلهم يتقون قال فقال الله جل و عز فلما نسوا ما ذكروا به يعني لما تركوا ما وعظوا به مضوا على الخطيئة ، فقالت الطائفة التي وعظتهم لا و الله لا نجامعكم و لا نبايتكم الليلة في مدينتكم هذه التي عصيتم الله فيها مخافة أن ينزل بكم البلاء فيعمنا معكم ، قال فخرجوا عنهم من المدينة مخافة أن يصيبهم البلاء فنزلوا قريبا من المدينة فباتوا تحت السماء فلما أصبح أولياء الله المطيعون لأمر الله غدوا لينظروا ما حال أهل المعصية ، فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت ، فدقوه فلم يجابوا و لم يسمعوا منها خبر واحد فوضعوا سلما على سور المدينة ثم أصعدوا رجلا منهم فأشرف على المدينة فنظر فإذا هو بالقوم قردة يتعاوون ، فقال الرجل لأصحابه يا قوم أرى و الله عجبا ، قالوا و ما ترى قال أرى القوم قد صاروا قردة يتعاوون و لها أذناب ، فكسروا الباب قال فعرفت القردة أنسابها من الإنس و لم تعرف الإنس أنسابها من القردة ، فقال القوم للقردة أ لم ننهكم فقال علي (عليهالسلام) و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إني لأعرف أنسابها من هذه الأمة لا ينكرون و لا يغيرون بل تركوا ما أمروا به فتفرقوا و قد قال الله عز و جل فبعدا للقوم الظالمين ، فقال الله و أنجينا الذين ينهون عن السوء و أخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون و أما قوله و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم يعني يعلم ربك إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب و إنه لغفور رحيم نزلت في اليهود لا يكون لهم دولة أبدا و قوله و قطعناهم في
تفسير القمي ج : 1ص :246
الأرض أي ميزهم أمما منهم الصالحون و منهم دون ذلك و بلوناهم أي اختبرناهم بالحسنات و السيئات يعني بالسعة و الأمن و الفقر و الفاقة و الشدة لعلهم يرجعون يعني كي يرجعوا و قوله فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى يعني ما يعرض لهم من الدنيا و يقولون سيغفر لنا و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه أ لم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق و درسوا ما فيه يعني ضيعوه ثم قال و الدار الآخرة خير للذين يتقون أ فلا تعقلون و الذين يمسكون بالكتاب و أقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله الذين يمسكون بالكتاب قال نزلت في آل محمد و أشياعهم و أما قوله و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب فهم في أمة محمد يسومون أهل الكتاب سوء العذاب يأخذون منهم الجزية .
و أما قوله و إذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة و ظنوا أنه واقع بهم قال الصادق (عليهالسلام) لما أنزل الله التوراة على بني إسرائيل لم يقبلوه فرفع الله عليهم جبل طور سيناء فقال لهم موسى (عليهالسلام) إن لم تقبلوه وقع عليكم الجبل ، فقبلوه و طأطئوا رءوسهم .
و أما قوله و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى فإنه حدثني أبي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن ابن سنان قال قال أبو عبد الله (عليهالسلام) أول من سبق من الرسل إلى بلى محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و ذلك أنه كان أقرب الخلق إلى الله تبارك و تعالى ، و كان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما أسري به إلى السماء « تقدم يا محمد فقد وطأت موطئا لم يطأه ملك مقرب و لا نبي مرسل » و لو لا أن روحه و نفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه ، فكان من الله عز و جل كما قال الله قاب قوسين أو أدنى أي بل
تفسير القمي ج : 1ص :247
أدنى فلما خرج الأمر من الله وقع إلى أوليائه (عليهمالسلام) ، فقال الصادق (عليهالسلام) كان الميثاق مأخوذا عليهم لله بالربوبية و لرسوله بالنبوة و لأمير المؤمنين و الأئمة بالإمامة ، فقال أ لست بربكم و محمد نبيكم و علي إمامكم و الأئمة الهادون أئمتكم ؟ فقالوا بلى شهدنا فقال الله تعالى أن تقولوا يوم القيمة أي لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فأول ما أخذ الله عز و جل الميثاق على الأنبياء له بالربوبية و هو قوله « و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم » فذكر جملة الأنبياء ثم أبرز أفضلهم بالأسامي فقال و منك يا محمد ، فقدم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) لأنه أفضلهم و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى بن مريم ، فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء و رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) أفضلهم ، ثم أخذ بعد ذلك ميثاق رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) على الأنبياء بالإيمان به و على أن ينصروا أمير المؤمنين (عليهالسلام) فقال « و إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم » يعني رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) « لتؤمنن به و لتنصرنه » يعني أمير المؤمنين (عليهالسلام) و أخبروا أممكم بخبره و خبر وليه من الأئمة (عليهمالسلام) حدثني أبي عن محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (عليهالسلام) و عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله « لتؤمنن به و لتنصرنه » قال قال ما بعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا إلا و يرجع إلى الدنيا فيقاتل و ينصر رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و أمير المؤمنين (عليهالسلام) ثم أخذ أيضا ميثاق الأنبياء على رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فقال قل يا محمد آمنا بالله و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون
تفسير القمي ج : 1ص :248
و حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليهالسلام) « و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى » قلت معاينة كان هذا قال نعم فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه و لو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه و رازقه . فمنهم من أقر بلسانه في الذر و لم يؤمن بقلبه فقال الله « فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل » .
و أما قوله و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين فإنها نزلت في بلعم بن باعورا و كان من بني إسرائيل ، و حدثني أبي عن الحسن [ الحسين ] بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليهالسلام) أنه أعطي بلعم بن باعورا الاسم الأعظم ، فكان يدعو به فيستجاب له فمال إلى فرعون فلما مر فرعون في طلب موسى و أصحابه قال فرعون لبلعم أدع الله على موسى و أصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته ليمر في طلب موسى و أصحابه فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عز و جل فقالت ويلك على ما تضربني أ تريد أجيء معك لتدعو على موسى نبي الله و قوم مؤمنين ، فلم يزل يضربها حتى قتلها و انسلخ الاسم الأعظم من لسانه ، و هو قوله فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه أخلد إلى الأرض فاتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث و هو مثل ضربه ، فقال الرضا (عليهالسلام) فلا يدخل الجنة من البهائم إلا ثلاثة حمارة بلعم و كلب أصحاب الكهف و الذئب و كان سبب الذئب أنه بعث ملك ظالم رجلا شرطيا ليحشم قوما من المؤمنين و يعذبهم و كان للشرطي ابن يحبه ، فجاء ذئب فأكل ابنه فحزن الشرطي عليه
تفسير القمي ج : 1ص :249
فأدخل الله ذلك الذئب الجنة لما أحزن الشرطي و قوله و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس أي خلقنا ، و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله لهم قلوب لا يفقهون بها أي طبع الله عليها فلا تعقل و لهم أعين عليها غطاء عن الهدى لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها أي جعل في آذانهم وقرا فلن يسمعوا الهدى ، و قوله و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق و به يعدلون فهذه الآية لآل محمد و أتباعهم ، و قوله عسى أن يكون قد اقترب أجلهم هو هلاكهم و قوله و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها قال الرحمن الرحيم و قوله و الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون قال تجديد النعم عند المعاصي و قوله و أملي لهم أي أصبر لهم إن كيدي متين أي عذابي شديد ثم قال أ و لم يتفكروا يعني قريش ما بصاحبهم من جنة يعني رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) أي ما هو مجنون كما يزعمون إن هو إلا نذير مبين و قوله أ و لم ينظروا في ملكوت السموات و الأرض و ما خلق الله من شيء و أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يعني بعد القرآن يؤمنون أي يصدقون ، و قوله من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم في طغيانهم يعمهون قال يكله إلى نفسه .
و أما قوله يسألونك عن الساعة أيان مرساها فإن قريشا بعثت العاص بن وائل السهمي و النضر بن حارث بن كلدة و عتبة بن أبي معيط إلى نجران ليتعلموا من علماء اليهود مسائل و يسألوا بها رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) ، و كان فيها سلوا محمدا متى تقوم الساعة ؟ فإن ادعى علم ذلك فهو كاذب ، فإن قيام الساعة لم يطلع الله عليه ملكا مقربا و لا نبيا مرسلا فلما سألوا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) متى تقوم الساعة ؟ أنزل الله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرسيها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات و الأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها
تفسير القمي ج : 1ص :250
أي جاهل بها قل لهم يا محمد إنما علمها عند الله و لكن أكثر الناس لا يعلمون و قوله و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير و ما مسني السوء قال كنت أختار لنفسي الصحة و السلامة .
و أما قوله هو الذي خلقكم من نفس واحدة و جعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشيها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما
تفسير القمي ج : 1ص :251
آتاهما حدثني أبي قال حدثني الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان الأحول عن بريد العجلي عن أبي جعفر (عليهالسلام) لما علقت حواء من آدم و تحرك ولدها في بطنها قالت لآدم إن في بطني شيئا يتحرك ، فقال لها آدم الذي في بطنك نطفة مني استقرت في رحمك يخلق الله منها خلقا ليبلونا فيه فأتاها إبليس ، فقال لها كيف أنت ؟ فقالت له أما إني قد علقت و في بطني من آدم ولد قد تحرك ، فقال لها إبليس أما إنك إن نويت أن تسميه عبد الحارث ولدتيه غلاما و بقي و عاش و إن لم تنو أن تسميه عبد الحارث مات بعد ما تلدينه بستة أيام ، فوقع في نفسها مما قال لها شيء فأخبرت بما قال آدم ، فقال لها آدم قد جاءك الخبيث لا تقبلي منه فإني أرجو أن يبقى لنا و يكون بخلاف ما قال لك ، و وقع في نفس آدم مثل ما وقع في نفس حواء من مقالة الخبيث ، فلما وضعته غلاما لم يعش إلا ستة أيام حتى مات فقالت لآدم قد جاءك الذي قال لنا الحارث فيه ، و دخلهما من قول الخبيث ما شككهما ، قال فلم تلبث أن علقت من آدم حملا آخر فأتاها إبليس ، فقال لها كيف أنت ؟ فقالت له قد ولدت غلاما و لكنه مات اليوم السادس فقال لها الخبيث أما إنك لو كنت نويت أن تسميه عبد الحارث لعاش و بقي ، و إنما هو الذي في بطنك كبعض ما في بطون هذه الأنعام التي بحضرتكم إما ناقة و إما بقرة و إما ضأن و إما معز فدخلها من قول الخبيث ما استمالها إلى تصديقه و الركون إلى ما أخبرها الذي كان تقدم إليها في الحمل الأول ، و أخبرت بمقالته آدم فوقع في قلبه من قول الخبيث مثل ما وقع في قلب حواء « فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا » أي لم تلد ناقة أو بقرة أو ضأنا أو معزا فأتاهما الخبيث ، فقال لها كيف أنت فقالت له قد ثقلت و قربت ولادتي ، فقال أما إنك ستندمين و ترين من الذي في بطنك ما تكرهين و يدخل آدم منك و من ولدك شيء لو قد ولدتيه ناقة أو بقرة أو ضأنا أو معزا فاستمالها إلى طاعته
تفسير القمي ج : 1ص :252
و القبول لقوله ، ثم قال لها اعلمي إن أنت نويت أن تسميه عبد الحارث و جعلت لي فيه نصيبا ولدتيه غلاما سويا عاش و بقي لكم ، فقالت فإني قد نويت أن أجعل لك فيه نصيبا ، فقال لها الخبيث لا تدعي آدم حتى ينوي مثل ما نويتي و يجعل لي فيه نصيبا و يسميه عبد الحارث فقالت له نعم فأقبلت على آدم فأخبرته بمقالة الحارث و بما قال لها و وقع في قلب آدم من مقالة إبليس ما خافه فركن إلى مقالة إبليس ، و قالت حواء لآدم لئن أنت لم تنو أن تسميه عبد الحارث و تجعل للحارث فيه نصيبا لم أدعك تقربني و لا تغشاني و لم يكن بيني و بينك مودة ، فلما سمع ذلك منها آدم قال لها أما إنك سبب المعصية الأولى و سيدليك بغرور قد تابعتك و أجبت إلى أن أجعل للحارث فيه نصيبا و أن أسميه عبد الحارث فأسرا
تفسير القمي ج : 1ص :253
النية بينهما بذلك فلما وضعته سويا فرحا بذلك و أمنا ما كان خافا من أن يكون ناقة أو بقرة أو ضأنا أو معزا و أملا أن يعيش لهما و يبقى و لا يموت في اليوم السادس فلما كان في اليوم السابع سمياه عبد الحارث .
أخبرنا أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن موسى بن بكر عن الفضل عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قول الله ، فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما » فقال هو آدم و حواء و إنما كان شركهما شرك طاعة و لم يكن شرك عبادة فأنزل الله على رسوله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله فتعالى الله عما يشركون قال جعلا للحارث نصيبا في خلق الله و لم يكن أشركا إبليس في عبادة الله ثم قال أ يشركون ما لا يخلق شيئا و هم يخلقون ثم احتج على الملحدين فقال و الذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصرا و لا أنفسهم ينصرون إلى قوله و تراهم ينظرون إليك و هم لا يبصرون ثم أدب الله رسوله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فقال خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين ثم قال و إما ينزغنك من الشيطان نزغ قال إن عرض في قلبك منه شيء و وسوسة فاستعذ بالله إنه سميع عليم ثم قال إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون قال و إذا ذكرهم الشيطان المعاصي و حملهم عليها يذكرون الله فإذا هم مبصرون ، قال و إذا ذكرهم الشيطان و إخوانهم من الجن يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون أي لا يقصرون من
تفسير القمي ج : 1ص :254
تضليلهم و إذا لم تأتهم بآية قالوا قريش لو لا اجتبيتها و جواب هذا في الأنعام في قوله « قل لهم يا محمد لو أن عندي ما تستعجلون به » يعني من الآيات « لقضي الأمر بيني و بينكم » و قوله في بني إسرائيل « و ما نرسل بالآيات إلا تخويفا » و قوله و إذا قرىء القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون يعني في الصلاة إذا سمعت قراءة الإمام الذي تأتم به فأنصت و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة قال في الظهر و العصر و دون الجهر من القول بالغدو و الآصال قال بالغداة و العشي و لا تكن من الغافلين إن الذين عند ربك يعني الأنبياء و الرسل و الأئمة (عليهمالسلام) لا يستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون .