تفسیر وترجمه سوره بقره
تفسير القمي ج : 1ص :66
أنزل فيه القرآن قال و سئل الصادق (عليهالسلام) عن شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن كيف كان ، و إنما أنزل القرآن في طول عشرين سنة ؟ فقال إنه نزل جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ، ثم نزل من البيت المعمور إلى النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) في طول عشرين سنة و قوله و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه أن يقضي و يتصدق عن كل يوم بمد من الطعام ، و قوله أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم و أنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم فإنه حدثني أبي رفعه قال قال الصادق (عليهالسلام) كان النكاح و الأكل محرمان في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كل من صلى العشاء و نام و لم يفطر ثم انتبه حرم عليه الإفطار و كان النكاح حراما في الليل و النهار في شهر رمضان ، و كان رجل من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) يقال له خوات بن جبير الأنصاري أخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة ففارقه أصحابه و بقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب ، و كان أخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا و كان صائما مع رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) في الخندق فجاء إلى أهله حين أمسى فقال عندكم طعام فقالوا لا نم حتى نصنع لك طعاما فأبطأت أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر فلما انتبه قال لأهله قد حرم الله علي الأكل في هذه الليلة فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه ، فرآه رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فرق له ، و كان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله عز و جل « أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم و أنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم فالآن باشروهن و ابتغوا ما كتب الله لكم و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل » و أحل الله تبارك و تعالى النكاح بالليل في شهر رمضان و الأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله « حتى يتبين لكم الخيط
تفسير القمي ج : 1ص :67
الأبيض من الخيط الأسود من الفجر » قال هو بياض النهار من سواد الليل و قوله و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فإنه حدثني أبي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حماد قال قلت لأبي عبد الله (عليهالسلام) أشغل نفسي بالدعاء لإخواني و لأهل الولاية فما ترى في ذلك ؟ فقال إن الله تبارك و تعالى يستجيب دعاء غائب لغائب و من دعا للمؤمنين و المؤمنات و لأهل مودتنا رد الله عليه من آدم إلى أن تقوم الساعة لكل مؤمن حسنة ثم قال إن الله فرض الصلوات في أفضل الساعات ، عليكم بالدعاء في أدبار الصلاة ثم دعا لي و لمن حضره و قوله و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم قال العالم (عليهالسلام) قد علم الله أنه يكون حكاما يحكمون بغير الحق فنهى أن يتحاكم إليهم فإنهم لا يحكمون بالحق فتبطل الأموال .
و قوله و يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج فإن المواقيت منها معروفة مشهورة في أوقات معروفة ، و منها مبهمة فأما المواقيت المعروفة المشهورة فأربعة ، الأشهر الحرم التي ذكرها الله في قوله « منها أربعة حرم » و الاثنا عشر شهرا التي خلقها الله تعرف بالهلال ، أولها المحرم و آخرها ذو الحجة ، و الأربعة الحرم رجب مفرد و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم متصلة ، حرم الله فيها القتال ، و يضاعف فيها الذنوب و كذلك الحسنات ، و أشهر السياحة معروفة و هي عشرون من شهر ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر [ ون ] من شهر ربيع الآخر ، و هي التي أحل الله فيها قتال المشركين في قوله « فسيحوا في الأرض أربعة أشهر » و أشهر الحج معروفة ، و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة و إنما صارت أشهر الحج لأنه من اعتمر في هذه الأشهر في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة و نوى أن يقيم بمكة حتى يحج فقد تمتع بالعمرة إلى الحج ،
تفسير القمي ج : 1ص :68
و من اعتمر في غير هذه الأشهر ثم نوى أن يقيم إلى الحج أو لم ينو فليس هو ممن تمتع بالعمرة إلى الحج لأنه لم يدخل مكة في أشهر الحج فسمى هذه أشهر الحج فقال الله تبارك و تعالى « الحج أشهر معلومات » و شهر رمضان معروف ، و أما المواقيت المبهمة التي إذا حدث الأمر وجب فيها انتظار تلك الأشهر فعدة النساء في الطلاق ، و المتوفى عنها زوجها ، فإذا طلقها زوجها فإن كانت تحيض تعتد الأقراء التي قال الله عز و جل ، و إن كانت لا تحيض تعتد بثلاثة أشهر بيض لا دم فيها ، و عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا ، و عدة المطلقة الحبلى أن تضع ما في بطنها و عدة الإيلاء أربعة أشهر ، و كذلك في الديون إلى الأجل الذي يكون بينهم [ و شهرين متتابعين في الظهار ] و صيام شهرين متتابعين في كفارة قتل الخطإ و عشرة أيام للصوم في الحج لمن لم يجد الهدي ، و صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب ، فهذه المواقيت المعروفة و المبهمة التي ذكرها الله عز و جل في كتابه « يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج » .
و أما قوله ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقى و أتوا البيوت من أبوابها قال نزلت في أمير المؤمنين (عليهالسلام) لقول رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) « أنا مدينة العلم و علي (عليهالسلام) بابها و لا تدخلوا المدينة إلا من بابها » .
و قوله و أتموا الحج و العمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي و لا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإنه إذا عقد الرجل الإحرام بالتمتع بالعمرة إلى الحج و أحرم ثم أصابته غلة في طريقه قبل أن يبلغ إلى مكة و لا يستطيع أن يمضي ، فإنه يقيم في مكانه الذي حوصر فيه و يبعث من عنده هديا إن كان غنيا فبدنة و إن كان بين ذلك فبقرة و إن كان فقيرا فشاة ، لا بد منها و لا يزال مقيما على إحرامه ، و إن كان في رأسه وجع أو قروح حلق شعره و أحل و لبس ثيابه و يفدي فأما أن يصوم ستة أيام أو يتصدق على عشرة مساكين أو نسك و هو الدم يعني ذبح شاة ، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فعليه أن يشترط عند الإحرام فيقول
تفسير القمي ج : 1ص :69
« اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك فإن عاقني عائق أو حبسني حابس فحلني حيث حبستني بقدرتك التي قدرت علي » ثم يلبي من الميقات الذي وقته رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فيلبي و يقول « لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك حجة [ بحجة ] بعمرة تمامها و بلاغها عليك .
فإذا دخل مكة و نظر إلى أبيات مكة قطع التلبية و طاف بالبيت سبعة أشواط ، و صلى عند مقام إبراهيم ركعتين و سعى بين الصفا و المروة سبعة أشواط ثم يحل و يتمتع بالثياب و النساء و الطيب و يقيم على الحج إلى يوم التروية فإذا كان يوم التروية أحرم عند زوال الشمس من عند المقام بالحج ثم خرج ملبيا إلى منى فلا يزال ملبيا إلى يوم عرفة عند زوال الشمس ، فإذا زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية و يقف بعرفات في الدعاء و التكبير و التهليل و التحميد ، فإذا غابت الشمس رجع إلى المزدلفة فبات بها فإذا أصبح قام بالمشعر الحرام و دعا و هلل الله و سبحه و كبره ثم ازدلف منها إلى منى و رمى الجمار و ذبح و حلق ، إن كان غنيا فعليه بدنة و إن كان بين ذلك فعليه بقرة و إن كان فقيرا فعليه شاة ، فمن لم يجد ذلك فعليه أن يصوم ثلاثة أيام بمكة فإذا رجع إلى منزله صام سبعة أيام فتقوم هذه الأيام العشرة مقام الهدي الذي كان عليه و هو قوله فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة و ذلك لمن ليس هو مقيم بمكة و لا من أهل مكة ، أما أهل مكة و من كان حول مكة على ثمانية و أربعين ميلا فليست لهم متعة و إنما يفردون الحج لقوله ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام و أما قوله فمن فرض فيهن الحج فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج فالرفث الجماع ، و الفسوق الكذب ، و الجدال الخصومة ، و هي قول « لا و الله و بلى و الله » و قوله فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا قال
تفسير القمي ج : 1ص :70
كانت العرب إذا وقفوا بالمشعر يتفاخرون بآبائهم فيقولون لا و أبيك لا و أبي و أمر الله أن يقولوا لا و الله و بلى و الله و قوله فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة و ما له في الآخرة من خلاق فإنه حدثني أبي عن سليمان بن داود المنقري عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال سأل رجل من أبي عبد الله (عليهالسلام) بعد منصرفه من الموقف فقال أ ترى يجيب الله هذا الخلق كله ؟ فقال أبو عبد الله (عليهالسلام) ما وقف بهذا الموقف أحد من الناس مؤمن و لا كافر إلا غفر الله له ، إلا أنهم في مغفرتهم على ثلاث منازل ، مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و أعتقه من النار و ذلك قوله « و منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار » و مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه و قيل له أحسن فيما بقي فذلك قوله « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الكبائر و أما العامة فإنهم يقولون فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد ، أ فترى أن الله تبارك و تعالى حرم الصيد بعد ما أحله لقوله « و إذا حللتم فاصطادوا » و في تفسير العامة معناه فإذا حللتم فاتقوا الصيد ، و كافر وقف هذا الموقف يريد زينة الحياة الدنيا غفر الله له من ذنبه ما تقدم إن تاب من الشرك و إن لم يتب وافاه الله أجره في الدنيا و لم يحرمه ثواب هذا
تفسير القمي ج : 1ص :71
الموقف و هو قوله « من كان يريد الحياة الدنيا و زينتها نوف إليهم أعمالهم فيها و هم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار و حبط ما صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون » و قوله و اذكروا الله في أيام معدودات قال أيام التشريق الثلاثة ، و الأيام المعلومات العشرة من ذي الحجة ، و قوله و يهلك الحرث و النسل قال الحرث في هذا الموضع الدين ، و النسل الناس ، و نزلت في فلان و يقال في معاوية و قوله و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله قال ذلك أمير المؤمنين (عليهالسلام) و معنى يشري نفسه أي يبذل و قوله ادخلوا في السلم كافة قال في ولاية أمير المؤمنين (عليهالسلام) و قوله كان الناس أمة واحدة قال قبل نوح على مذهب واحد فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و قوله كتب عليكم القتال و هو كره لكم نزلت بالمدينة و نسخت آية « كفوا أيديكم » التي نزلت بمكة .
و أما قوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير و صد عن سبيل الله و كفر به و المسجد الحرام و إخراج أهله منه أكبر عند الله و الفتنة أكبر من القتل فإنه كان سبب نزولها أنه لما هاجر رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) إلى المدينة بعث السرايا إلى الطرقات التي تدخل مكة تتعرض لعير قريش ، حتى بعث عبد الله بن جحش في نفر من أصحابه إلى نخلة ، و هي بستان بني عامر ليأخذوا عير قريش حين أقبلت من الطائف عليها الزبيب و الأدم و الطعام ، فوافوها و قد نزلت العير و فيهم عمر بن عبد الله الحضرمي و كان حليفا لعتبة بن ربيعة ، فلما نظر الحضرمي إلى عبد الله بن جحش و أصحابه فزعوا و تهيئوا للحرب و قالوا هؤلاء أصحاب محمد ، فأمر عبد الله بن جحش أصحابه أن ينزلوا و يحلقوا رءوسهم ، فنزلوا فحلقوا رءوسهم فقال ابن الحضرمي هؤلاء قوم عباد ليس علينا منهم بأس ، فلما
تفسير القمي ج : 1ص :72
اطمأنوا و وضعوا السلاح حمل عليهم عبد الله بن جحش فقتل ابن الحضرمي و أفلت أصحابه و أخذوا العير بما فيها و ساقوها إلى المدينة و كان ذلك في أول يوم من رجب من أشهر الحرم ، فعزلوا العير و ما كان عليها و لم ينالوا منها شيئا ، فكتبت قريش إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) أنك استحللت الشهر الحرام و سفكت فيه الدم و أخذت المال و كثر القول في هذا ، و جاء أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فقالوا يا رسول الله أ يحل القتل في الشهر الحرام فأنزل الله « يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ... إلخ » قال القتال في الشهر الحرام عظيم و لكن الذي فعلت قريش بك يا محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) من الصد عن المسجد الحرام و الكفر بالله و إخراجك منها هو أكبر عند الله و الفتنة يعني الكفر بالله أكبر من القتل ثم أنزلت « الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » و قوله و يسألونك ما ذا ينفقون قل العفو قال لا إقتار و لا إسراف .
و قوله يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير و إن تخالطوهم فإخوانكم فإنه حدثني أبي عن صفوان عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (عليهالسلام) أنه لما أنزلت « إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا » أخرج كل من كان عنده يتيم و سألوا رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) في إخراجهم ، فأنزل الله تعالى « و يسألونك عن اليتامى ... إلخ » و قال الصادق (عليهالسلام) لا بأس أن تخلط طعامك بطعام اليتيم فإن الصغير يوشك أن يأكل الكبير معه و أما الكسوة و غيره فيحسب على كل رأس صغير و كبير كما يحتاج إليه ، و أما قوله و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن و لأمة مؤمنة خير من مشركة
تفسير القمي ج : 1ص :73
و لو أعجبتكم و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا فقوله « و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن » منسوخ بقوله « و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » و قوله « و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا » على حالة لم ينسخ و قوله و يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض و لا تقربوهن حتى يطهرن يعني النساء لا تأتوهن في الفرج حتى يغتسلن فإذا تطهرن أي اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله و قوله نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أي متى شئتم و تأولت العامة في قوله « أنى شئتم » أي حيث شئتم في القبل و الدبر ، و قال الصادق (عليهالسلام) « أنى شئتم » أي متى شئتم في الفرج و الدليل على قوله في الفرج قوله تعالى « نساؤكم حرث لكم » فالحرث الزرع في الفرج في موضع الولد ، و قال الصادق (عليهالسلام) من أتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه أن يتصدق بدينار و عليه ربع حد الزاني خمسة و عشرون جلدة ، و إن أتاها في آخر أيام حيضها فعليه أن يتصدق بنصف دينار و يضرب اثني عشر جلدة و نصف و قوله و لا تجعلوا الله عرضه لأيمانكم أن تبروا و تتقوا و تصلحوا بين الناس قال هو قول الرجل في كل حالة لا و الله و بلى و الله و أما قوله للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم و إن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم فإنه حدثني أبي عن صفوان بن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال الإيلاء هو أن يحلف الرجل على امرأته ألا يجامعها فإن صبرت عليه فلها أن تصبر ، فإن رفعته إلى الإمام أنظره أربعة أشهر ثم يقول له بعد ذلك إما أن ترجع إلى المناكحة و إما أن تطلق و إلا حبستك أبدا ، و روي عن أمير المؤمنين (عليهالسلام) أنه بنى حظيرة من قصب و جعل فيها رجل آلى من امرأته بعد أربعة أشهر و قال له إما
تفسير القمي ج : 1ص :74
ترجع إلى المناكحة أو أن تطلق و إلا أحرقت عليك الحضيرة ، و قوله و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء قال و المطلقة تعتد ثلاثة قروء إن كانت تحيض قوله و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله و اليوم الآخر قال لا يحل للمرأة أن تكتم حملها أو حيضها أو طهرها و قد فرض الله على النساء ثلاثة أشياء الطهر و الحيض و الحبل و قوله و للرجال عليهن درجة قال حق الرجال على النساء أفضل من حق النساء على الرجال .
و قوله الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال في الثالثة و هو طلاق السنة ، حدثني أبي عن إسماعيل بن مهران [ مرار ] عن يونس عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال سألته عن طلاق السنة قال هو أن يطلق الرجل المرأة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ثم يتركها حتى تعتد ثلاثة قروء فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة ، و حلت للأزواج و كان زوجها خاطبا من الخطاب إن شائت تزوجته و إن شائت لم تفعل فإن تزوجها بمهر جديد كانت عنده بثنتين باقيتين و مضت بواحدة ، فإن هو طلقها واحدة على طهر بشهود ثم راجعها و واقعها ثم انتظر بها حتى إذا حاضت و طهرت طلقها طلقة أخرى بشهادة شاهدين ثم تركها حتى تمضي أقراؤها الثلاثة ، فإذا مضت أقراؤها الثلاثة قبل أن يراجعها فقد بانت منه بثنتين و قد ملكت أمرها و حلت للأزواج و كان زوجها خاطبا من الخطاب فإن شائت تزوجته و إن شائت لم تفعل ، و إن هو تزوجها تزويجا جديدا بمهر جديد كانت عنده بواحدة باقية و قد مضت ثنتان فإن أراد أن يطلقها طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره تركها حتى إذا حاضت و طهرت أشهد على طلاقها تطليقة واحدة ، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .
تفسير القمي ج : 1ص :75
فأما طلاق الرجعة ، فإنه يدعها حتى تحيض و تطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها و يواقعها ثم ينتظر بها الطهر ، فإن حاضت و طهرت أشهد شاهدين على تطليقة أخرى ثم يراجعها و يواقعها ثم ينتظر بها الطهر فإن حاضت و طهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة كل تطليقة على طهر بمراجعة ، و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره و عليها أن تعتد ثلاثة أقرؤ من يوم طلقها التطليقة الثالثة لدنس النكاح ، و هما يتوارثان ما دامت في العدة فإن طلقها واحدة على طهر بشهود ثم انتظر بها حتى تحيض و تطهر ثم طلقها قبل أن يراجعها لم يكن طلاقه الثاني طلاقا جائزا ، لأنه طلق طالقا لأنه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت خارجة من ملكه حتى يراجعها ، فإذا راجعها صارت في ملكه ما لم يطلق التطليقة الثالثة فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج ملك الرجعة من يده فإن طلقها على طهر بشهود ثم راجعها و انتظر بها الطهر من غير مواقعة فحاضت و طهرت و هي عنده ثم طلقها قبل أن يدنسها بمواقعة بعد الرجعة لم يكن طلاقه لها طلاقا لأنه طلقها التطليقة الثانية في طهر الأولى ، و لا ينقض الطهر إلا بمواقعة بعد الرجعة و كذلك لا تكون التطليقة الثالثة إلا بمراجعة و مواقعة بعد الرجعة ثم حيض و طهر بعد الحيض ثم طلاق بشهود حتى يكون لكل تطليقة طهر من تدنيس مواقعة بشهود .
قوله و لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فإن هذه الآية نزلت في الخلع ، حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال الخلع لا يكون إلا أن تقول المرأة لزوجها لا أبر لك قسما و لأخرجن بغير إذنك و لأوطين فراشك غيرك و لا أغتسل لك من جنابة أو تقول لا أطيع لك أمرا أو تطلقني ، فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها و كل ما قدر عليه مما تعطيه من مالها فإذا تراضيا على ذلك طلقها
تفسير القمي ج : 1ص :76
على طهر بشهود فقد بانت منه بواحدة ، و هو خاطب من الخطاب فإن شائت تزوجته و إن شائت لم تفعل ، فإن تزوجها فهي عنده على اثنتين باقيتين ، و ينبغي له أن يشترط عليها كما اشترط صاحب المباراة أن ارتجعت في شيء مما أعطيتني فأنا أملك ببضعك ، و قال لا خلع و لا مباراة و لا تخيير إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ، و المختلعة إذا تزوجت زوجا آخر ثم طلقها تحل للأول أن يتزوج بها ، و قال لا رجعة للزوج على المختلعة و لا المباراة إلا أن يبدو للمرأة فيرد عليها ما أخذ منها و قوله فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره يعني الطلاق الثالث ، و قوله فلا جناح عليهما أن يتراجعا في الطلاق الأول و الثاني .
و قوله إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف و لا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا قال إذا طلقها لا يجوز له أن يراجعها إن لم يردها فيضر بها و هو قوله و لا تمسكوهن ضرارا أي لا تحبسوهن و أما قوله و إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يعني إذا رضيت المرأة بالتزويج الحلال و قوله و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف يعني إذا مات الرجل و ترك ولدا رضيعا لا ينبغي للوارث أن يضر بنفقة المولود بل ينبغي له أن يحزي عليه بالمعروف و قوله لا تضار والدة بولدها و لا مولود له بولده فإنه حدثني أبي عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال لا ينبغي للرجل أن يمتنع من
تفسير القمي ج : 1ص :77
جماع المرأة فيضار بها إذا كان لها ولد مرضع ، و يقول لها لا أقربك فإني أخاف عليك الحبل فتقتلين ولدي و كذا المرأة لا يحل لها أن تمتنع عن الرجل ، فتقول إني أخاف أن أحبل فأقتل ولدي فهذه المضارة في الجماع على الرجل و المرأة و قوله و على الوارث مثل ذلك لا تضار المرأة التي لها ولد و قد توفي زوجها فلا يحل للوارث أن يضار أم الولد في النفقة فيضيق عليها و قوله فإن أرادا فصالا عن تراض منهما و تشاور فلا جناح عليهما يعني إذا اصطلحت الأم و الوارث فيقول خذي الولد و اذهبي به حيث شئت .
و قوله و الذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا فهي ناسخة لقوله « و الذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج » فقد قدمت الناسخة على المنسوخة في التأليف و قوله و لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم فهو أن يقول الرجل للمرأة في العدة إذا توفي عنها زوجها لا تحدثي حدثا و لا يصرح لها النكاح و التزويج ، فنهى الله عز و جل عن ذلك و السر في النكاح و قال و لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا و قال من السر أيضا أن يقول الرجل في عدة المرأة للمرأة موعدك بيت فلان و قال الأعشى في ذلك
فلا تنكحن جارة إن سرها
عليك حرام فانكحن أو تأبدا و لا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله أي تعتد و تبلغ الذي في الكتاب أجله أربعة أشهر و عشرا و أما قوله لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة فهو أن يطلق الرجل المرأة التي قد تزوجها و لم يدخل بها و لم يسم لها صداقا ، فعليه إذا طلقها أن يمتعها على قدر حاله
تفسير القمي ج : 1ص :78
كما قال الله عز و جل على الموسع قدره و على المقتر قدره فالموسع يمتع بالأمة و الدراهم و الثوب على قدر سعته و المقتر يمتع بالخمار و ما يقدر عليه ، و إن تزوج بها و قد سمى لها الصداق و لم يدخل بها فعليه نصف المهر قوله إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح و هو الولي و الأب و لا يعفوان إلا بأمرها و هو قوله و إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن و قد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح و تتزوج من ساعتها و لا عدة عليها و العدة على اثنين و عشرين وجها فالمطلقة تعتد ثلاثة أقرؤ ، و القرء هو اجتماع الدم في الرحم ، و العدة الثانية إذا لم تحض فثلاثة أشهر بيض و إذا كانت تحيض في الشهر الأقل أو الأكثر و طلقت ثم حاضت قبل أن يأتي لها ثلاثة أشهر حيضة واحدة فلا تبين من زوجها إلا بالحيض ، و إن مضى ثلاثة أشهر لها و لم تحض فإنها تبين بالأشهر البيض ، فإن حاضت قبل أن يمضي لها ثلاثة أشهر فإنها تبين بالدم ، و المطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة فلا تبين حتى تطهر من الدم الثالث ، و المطلقة الحامل لا تبين حتى تضع ما في بطنها فإن طلقها اليوم و وضعت في الغد فقد بانت ، و المتوفى عنها زوجها و هي الحامل تعتد بأبعد الأجلين فإن وضعت قبل أن يمضي لها أربعة أشهر و عشرا فلتتم أربعة أشهر و عشرا فإن مضى لها أربعة أشهر و عشرا فلم تضع فعدتها أن تضع ، و المطلقة و زوجها غائب عنها تعتد من يوم طلقها إذا شهد عندها شاهدان عدلان أنه طلقها في يوم معروف تعتد من ذلك اليوم فإن لم يشهد عندها أحد و لم تعلم أي يوم طلقها تعتد من يوم يبلغها ، و المتوفى عنها زوجها و هو غائب تعتد من يوم يبلغها ، و التي لم يدخل بها زوجها ثم طلقها فلا عدة عليها ، فإن مات عنها و لم يدخل بها تعتد أربعة أشهر و عشرا .
و العدة على الرجال أيضا إن كان له أربعة نسوة و طلق إحداهن لم يحل
تفسير القمي ج : 1ص :79
له أن يتزوج حتى تعتد التي طلقها ، فإذا أراد أن يتزوج أخت امرأته لم تحل له حتى يطلق امرأته و تعتد ثم يتزوج أختها ، و المتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت ، و المطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة تعتد حيث شاءت و لا تبيت عن بيتها ، و التي للزوج عليها رجعة لا تعتد إلا في بيت زوجها و تراه و يراها ما دامت في العدة ، و عدة الأمة إذا كانت تحت الحر شهران و خمسة أيام .
و عدة المتعة خمسة و أربعون يوما و عدة السبي استبراء الرحم ، فهذه وجوه العدة .
و أما المرأة التي لا تحل لزوجها أبدا فهي التي طلقها زوجها ثلاث تطليقات على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين و تتزوج زوجا غيره فيطلقها و يتزوج بها الأول الذي كان طلقها ثلاث تطليقات ثم يطلقها أيضا ثلاث تطليقات للعدة [ على طهر من غير جماع بشهادة عدلين ] فتتزوج زوجا آخر ثم يطلقها فيتزوجها الأول الذي قد طلقها ست تطليقات على طهر و تزوجت زوجين غير زوجها الأول ثم يطلقها هذا زوجها الأول ثلاث تطليقات على طهر واحد من غير جماع بشهادة عدلين ، فهذه التي لا تحل لزوجها الأول أبدا لأنه قد طلقها تسع تطليقات و تزوج بها تسع مرات ، و تزوجت ثلاثة أزواج فلا تحل للزوج الأول أبدا ، و من طلق امرأته من غير أن تحيض أو كانت في دم الحيض أو نفساء من قبل أن تطهر فطلاقه باطل .
و قوله حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين فإنه حدثني أبي عن النضر بن سويد عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليهالسلام) أنه قرأ « حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى صلاة العصر و قوموا لله قانتين » فقوله « قوموا لله قانتين » قال إقبال الرجل على صلاته و محافظته حتى لا يلهيه و لا يشغله عنها شيء و قوله فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فهي رخصة بعد العزيمة للخائف أن يصلي راكبا و راجلا ، و صلاة الخوف على ثلاثة وجوه قال الله تبارك
تفسير القمي ج : 1ص :80
و تعالى « و إذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك و ليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم و لتأت طائفة أخرى لم يصلوا فيصلوا معك و ليأخذوا حذرهم و أسلحتهم » فهذا وجه .
و الوجه الثاني من صلاة الخوف فهو الذي يخاف اللصوص و السباع في السفر فإنه يتوجه إلى القبلة و يفتتح الصلاة و يمر على وجه الأرض الذي هو فيه فإذا فرغ من القراءة و أراد أن يركع و يسجد ولى وجهه إلى القبلة إن قدر عليه و إن لم يقدر عليه ركع و سجد حيث ما توجه و إن كان راكبا أومأ برأسه .
و صلاة المجادلة [ المجاهدة ] و هي المضاربة في الحرب إذا لم يقدر أن ينزل ، يصلي و يكبر و لكل ركعة تكبيرة و يصلي و هو راكب فإن أمير المؤمنين (عليهالسلام) صلى و أصحابه خمس صلوات بصفين على ظهور الدواب لكل ركعة تكبيرة و صلى و هو راكب حيث ما توجهوا .
و منها صلاة الحيرة على ثلاثة وجوه ، فوجه منها هو أن الرجل يكون في مفازة و لا يعرف القبلة يصلي إلى أربعة جوانب ، و الوجه الثاني ، من فاتته الصلاة و لم يعرف أي صلاة هي فإنه يجب أن يصلي ثلاث ركعات و أربع ركعات و ركعتين فإن كانت المغرب فقد قضاها ، و إن فاتته العتمة فقد قضاها و إن كانت الفجر فقد قضاها و إن كانت الظهر و العصر فقد قامت الأربعة مقامها ، و من كان عليه ثوبان فأصاب أحدهما بول أو قذر أو جنابة و لم يدر أي الثوبين أصاب القذر ، فإنه يصلي في هذا و في هذا فإذا وجد الماء غسلهما جميعا .
و أما قوله أ لم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم فإنه كان وقع الطاعون بالشام في بعض الكور
تفسير القمي ج : 1ص :81
فخرج منهم خلق كثير كما حكى الله هربا من الطاعون فصاروا إلى مفازة فماتوا في ليلة واحدة كلهم ، فبقوا حتى كانت عظامهم يمر بهم المار فينحيها برجله عن الطريق ثم أحياهم الله و ردهم إلى منازلهم فبقوا دهرا طويلا ثم ماتوا و دفنوا .
و قوله أ لم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله إلى قوله و الله عليم بالظالمين قال حدثني أبي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليهالسلام) أن بني إسرائيل بعد موسى (عليهالسلام) عملوا المعاصي و غيروا دين الله و عتوا عن أمر ربهم ، و كان فيهم نبي يأمرهم و ينهاهم فلم يطيعوه ، و روي أنه أرميا النبي ، فسلط الله عليهم جالوت ، و هو من القبط فأذلهم و قتل رجالهم و أخرجهم من ديارهم و أموالهم و استعبد نساءهم ، ففزعوا إلى نبيهم و قالوا سل الله أن يبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ، و كانت النبوة في بني إسرائيل في بيت و الملك و السلطان في بيت آخر لم يجمع الله لهم الملك و النبوة في بيت واحد ، فمن ذلك « قالوا ابعث لنا ملكا ... إلخ » و قوله فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا فغضبوا من ذلك و قالوا أنى يكون له الملك علينا و نحن أحق بالملك منه و لم يؤت سعة من المال و كانت النبوة في ولد لاوي و الملك في ولد يوسف ، و كان طالوت من ولد بنيامين أخي يوسف لأمه لم يكن من بيت النبوة و لا من بيت المملكة ، فقال لهم نبيهم إن الله اصطفاه عليكم و زاده بسطة في العلم و الجسم و الله يؤتي ملكه من يشاء و الله واسع عليم و كان أعظمهم جسما و كان شجاعا قويا و كان أعلمهم إلا أنه كان فقيرا فعابوه بالفقر فقالوا لم يؤت سعة من المال ، فقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم و بقية مما ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة و كان التابوت الذي أنزل الله على موسى فوضعته فيه أمه و ألقته في اليم ، فكان في بني إسرائيل معظما
تفسير القمي ج : 1ص :82
يتبركون ، به فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح و ما كان عنده من آيات النبوة و أودعه يوشع وصيه ، فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به و كان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلم يزل بنو إسرائيل في عز و شرف ما دام التابوت عندهم فلما عملوا بالمعاصي و استخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم فلما سألوا النبي بعث الله طالوت عليهم يقاتل معهم رد الله عليهم التابوت و قوله « فيه سكينة من ربكم » فإن التابوت كان يوضع بين يدي العدو و بين المسلمين فيخرج منه ريح طيبة لها وجه كوجه الإنسان ، حدثني أبي عن الحسن بن خالد عن الرضا (عليهالسلام) أنه قال السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الإنسان فكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين و الكفار فإن تقدم التابوت لا يرجع رجل حتى يقتل أو يغلب ، و من رجع عن التابوت كفر و قتله الإمام .
فأوحى الله إلى نبيهم أن جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى (عليهالسلام) و هو رجل من ولد لاوي بن يعقوب (عليهالسلام) اسمه داود بن آسي ، و كان آسي راعيا و كان له عشرة بنين أصغرهم داود ، فلما بعث طالوت إلى بني إسرائيل و جمعهم لحرب جالوت بعث إلى آسي أن أحضر ولدك ، فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فألبسه درع موسى (عليهالسلام) ، منهم من طالت عليه و منهم من قصرت عنه فقال لآسي هل خلفت من ولدك أحدا ؟ قال نعم أصغرهم تركته في الغنم يرعاها فبعث إليه ابنه فجاء به فلما دعي أقبل و معه مقلاع قال فنادته ثلاث صخرات في طريقه فقالت يا داود خذنا فأخذها في مخلاته و كان شديد البطش قويا في بدنه شجاعا ، فلما جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى فاستوت عليه ، ففصل طالوت بالجنود
تفسير القمي ج : 1ص :83
و قال لهم نبيهم يا بني إسرائيل إن الله مبتليكم بنهر ) في هذه المفازة فمن شرب منه فليس من حزب الله ، و من لم يشرب منه فإنه من حزب الله إلا من اغترف غرفة بيده ، فلما وردوا النهر أطلق الله لهم أن يغرف كل واحد منهم غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فالذين شربوا منه كانوا ستين ألفا و هذا امتحان امتحنوا به كما قال الله ، و روي عن أبي عبد الله (عليهالسلام) أنه قال القليل الذين لم يشربوا و لم يغترفوا ثلاث مائة و ثلاث عشر رجلا ، فلما جاوزوا النهر و نظروا إلى جنود جالوت قال الذين شربوا منه لا طاقة لنا اليوم بجالوت و جنوده و قال الذين لم يشربوا ربنا أفرغ علينا صبرا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين فجاء داود (عليهالسلام) حتى وقف بحذاء جالوت ، و كان جالوت على الفيل و على رأسه التاج و في ياقوت يلمع نوره و جنوده بين يديه ، فأخذ داود من تلك الأحجار حجرا فرمى به في ميمنة جالوت ، فمر في الهواء و وقع عليهم فانهزموا و أخذ حجرا آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا و رمى جالوت بحجر ثالث فصك الياقوتة في جبهته و وصل إلى دماغه و وقع إلى الأرض ميتا فهو قوله فهزموهم بإذن الله و قتل داود جالوت و آتاه الله الملك و الحكمة و أما قوله و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض و لكن الله ذو فضل على العالمين فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل قال قال أبو عبد الله (عليهالسلام) إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا ، و لو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا ، و إن الله يدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي من شيعتنا و لو أجمعوا على ترك الزكاة لهلكوا ، و إن الله ليدفع بمن
تفسير القمي ج : 1ص :84
يحج من شيعتنا عمن لا يحج من شيعتنا و لو أجمعوا على ترك الحج لهلكوا ، و هو قول الله « و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض ... إلخ » و أما قوله تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسى بن مريم البينات و أيدناه بروح القدس الآية فإنه جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليهالسلام) يوم الجمل فقال يا علي على ما تقاتل أصحاب رسول الله و من شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ؟ فقال علي آية في كتاب الله أباحت لي قتالهم ، فقال و ما هي قال قوله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسى بن مريم البينات و أيدناه بروح القدس و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء الله ما اقتتلوا و لكن الله يفعل ما يريد » فقال الرجل كفر و الله القوم و قوله يوم لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة أي صداقة .
و أما آية الكرسي فإنه حدثني أبي عن الحسين بن خالد أنه قرأ أبو الحسن الرضا (عليهالسلام) : [ الم ] الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له ما في السموات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم قال « ما بين أيديهم » فأمور الأنبياء و ما كان « و ما خلفهم » أي ما لم يكن بعد ، قوله « إلا بما شاء » أي بما يوحي إليهم و لا يؤوده حفظهما أي لا يثقل عليه حفظ ما في السماوات و ما في الأرض و قوله لا إكراه في الدين أي لا يكره أحد على دينه إلا بعد أن قد تبين له الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت و هم الذين غصبوا آل محمد حقهم فقد استمسك بالعروة الوثقى يعني الولاية
تفسير القمي ج : 1ص :85
لا انفصام لها أي حبل لا انقطاع له يعني أمير المؤمنين و الأئمة بعده (عليهالسلام) الله ولي الذين آمنوا و هم الذين اتبعوا آل محمد (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) يخرجهم من الظلمات إلى النور و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت هم الظالمون آل محمد و الذين اتبعوا من غصبهم يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون و الحمد لله رب العالمين كذا نزلت ، حدثني أبي عن النضر بن سويد عن موسى بن بكر عن زرارة عن أبي عبد الله (عليهالسلام) في قوله وسع كرسيه السموات و الأرض سألته أيما أوسع الكرسي أو السماوات و الأرض ؟ قال لا بل الكرسي وسع السماوات و الأرض و كل شيء خلق الله في الكرسي .
حدثني أبي عن إسحاق بن الهيثم عن سعد بن ظريف عن الأصبغ بن نباتة أن عليا (عليهالسلام) سئل عن قول الله عز و جل « وسع كرسيه السموات و الأرض » قال السماوات و الأرض و ما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي و له أربعة أملاك يحملونه بإذن الله ( فأما الملك الأول ) ففي صورة الآدميين و هي أكرم الصور على الله و هو يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق لبني آدم ( و الملك الثاني ) في صورة الثور و هو سيد البهائم و هو يطلب إلى الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع البهائم ( و الملك الثالث ) في صورة النسر و هو سيد الطير و هو يطلب إلى الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع الطير ( و الملك الرابع ) في صورة الأسد و هو سيد السباع و هو يرغب إلى الله و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع السباع ، و لم يكن في هذه الصور أحسن من الثور و لا أشد انتصابا منه حتى اتخذ الملأ من بني إسرائيل العجل إلها ، فلما عكفوا عليه و عبدوه من دون الله خفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبد من دون الله شيء يشبهه و تخوف أن ينزل به العذاب ، ثم قال (عليهالسلام) إن الشجر لم يزل حصيدا كله حتى دعي للرحمن ولد أعز الرحمن و جل أن يكون له ولد ، فكادت
تفسير القمي ج : 1ص :86
السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا ، فعند ذلك اقشعر الشجر و صار له شوك حذار أن ينزل به العذاب ، فما بال قوم غيروا سنة رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) و عدلوا عن وصيته في حق علي و الأئمة (عليهمالسلام) و لا يخافون أن ينزل بهم العذاب ثم تلا هذه الآية « الذين بدلوا نعمة الله كفرا و أحلوا قومهم دار البوار » ثم قال نحن و الله نعمة الله التي أنعم الله بها على عباده و بنا فاز من فاز و قوله أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي و يميت قال أنا أحيي و أميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فإنه لما ألقى نمرود إبراهيم (عليهالسلام) في النار و جعلها الله عليه بردا و سلاما قال نمرود يا إبراهيم من ربك ؟ قال ربي الذي يحيي و يميت ، قال نمرود أنا أحيي و أميت فقال له إبراهيم كيف تحيي و تميت ، قال إلي برجلين ممن قد وجب عليهما القتل فأطلق عن واحد و قتل واحدا فأكون قد أحييت و أمت ، فقال إبراهيم إن كنت صادقا فأحي الذي قتلته ثم قال دع هذا فإن ربي يأتيني بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فكان كما قال الله عز و جل « فبهت الذي كفر » أي انقطع و ذلك أنه علم أن الشمس أقدم منه .
و أما قوله أو كالذي مر على قرية و هي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فإنه حدثني أبي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال لما عملت بنو إسرائيل المعاصي و عتوا عن أمر ربهم فأراد الله أن يسلط عليهم من يذلهم و يقتلهم فأوحى الله تعالى إلى أرميا يا أرميا ما بلد انتخبته من بين البلدان و غرست فيه من كرائم الشجر فأخلف فأنبت خرنوبا ؟ فأخبر أرميا أخيار علماء بني إسرائيل فقالوا له راجع
تفسير القمي ج : 1ص :87
ربك ليخبرنا ما معنى هذا المثل ) فصام أرميا سبعا ، فأوحى الله إليه يا أرميا أما البلد فبيت المقدس و أما ما أنبت فيها فبنو إسرائيل الذين أسكنتهم فيها فعملوا بالمعاصي و غيروا ديني و بدلوا نعمتي كفرا ، فبي حلفت لأمتحننهم بفتنة يظل الحكيم فيها حيرانا و لأسلطن عليهم شر عبادي ولادة و شرهم طعاما فليسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم و يسبي حريمهم و يخرب ديارهم التي يغترون بها و يلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مائة سنة ، فأخبر أرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له راجع ربك فقل له ما ذنب الفقراء و المساكين و الضعفاء ، فصام أرميا سبعا ثم أكل أكلة فلم يوح إليه شيء ثم صام سبعا و أكل أكلة و لم يوح إليه شيء ثم صام سبعا فأوحى الله إليه يا أرميا لتكفن عن هذا أو لأردن وجهك في قفاك ، قال ثم أوحى الله تعالى إليه قل لهم لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه ، فقال أرميا رب أعلمني من هو حتى آتيه و آخذ لنفسي و أهل بيتي منه أمانا قال ائت موضع كذا و كذا فانظر إلى غلام أشدهم زمانا و أخبثهم ولادة و أضعفهم جسما و شرهم غذاء فهو ذلك ، فأتى أرميا ذلك البلد فإذا هو غلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان و إذا له أم تزني بالكسر و تفت الكسر في القصعة و تحلب عليه خنزيرة لها ثم تدنيه من ذاك الغلام فيأكله ، فقال أرميا إن كان في الدنيا الذي وضعه الله فهو هذا ، فدنى منه فقال له ما اسمك ؟ فقال بخت نصر ، فعرفه أنه هو فعالجه حتى برأ ثم قال له تعرفني ؟ قال لا أنت رجل صالح ، قال أنا أرميا نبي بني إسرائيل ، أخبرني الله أنه سيسلطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم و تفعل بهم كذا و كذا ، قال فتاه في نفسه في ذاك الوقت ثم قال أرميا اكتب لي كتابا بأمان منك فكتب له كتابا ، و كان يخرج في الجبل و يحتطب و يدخله المدينة و يبيعه .
تفسير القمي ج : 1ص :88
فدعا إلى حرب بني إسرائيل فأجابوه و كان مسكنهم في بيت المقدس و أقبل بخت نصر نحو بيت المقدس و اجتمع إليه بشر كثير ، فلما بلغ أرميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له و معه الأمان الذي كتب له بخت نصر فلم يصل إليه أرميا من كثرة جنوده و أصحابه ، فصير الأمان على قصبة و رفعها ، فقال من أنت ؟ فقال أنا أرميا النبي الذي بشرتك بأنك سيسلطك الله على بني إسرائيل و هذا أمانك لي ، قال أما أنت فقد أمنتك و أما أهل بيتك فإني أرمي من هاهنا إلى بيت المقدس فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا أمان لهم عندي و إن لم تصل فهم آمنون ، و انتزع قوسه و رمى نحو بيت المقدس فحملت الريح النشابة حتى علقتها في بيت المقدس ، فقال لا أمان لهم عندي ، فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة و إذا دم يغلي وسطه كلما ألقي عليه التراب خرج و هو يغلي فقال ما هذا فقالوا هذا ؟ دم نبي كان لله فقتله ملوك بني إسرائيل و دمه يغلي و كلما ألقينا عليه التراب خرج يغلي ، فقال بخت نصر لأقتلن بني إسرائيل أبدا حتى يسكن هذا الدم و كان ذلك الدم دم يحيى بن زكريا (عليهماالسلام) و كان في زمانه ملك جبار يزني بنساء بني إسرائيل و كان يمر بيحيى بن زكريا فقال له يحيى اتق الله أيها الملك ، لا يحل لك هذا فقالت له امرأة من اللواتي كان يزني بهن حين سكر « أيها الملك اقتل هذا » فأمر أن يؤتى برأسه فأتوا برأس يحيى (عليهالسلام) في طشت و كان الرأس يكلمه و يقول له يا هذا اتق الله لا يحل لك هذا ، ثم غلى الدم في طشت حتى فاض إلى الأرض فخرج يغلي و لا يسكن ، و كان بين قتل يحيى و بين خروج بخت نصر مائة سنة ، و لم يزل بخت نصر يقتلهم و كان يدخل قرية قرية فيقتل الرجال و النساء و الصبيان و كل حيوان و الدم يغلي و لا يسكن حتى أفناهم فقال أ بقي أحد في هذه البلاد ؟ قالوا عجوز في موضع كذا و كذا فبعث إليها فضرب عنقها على الدم فسكن ، و كانت آخر من بقي ، ثم أتى بابل فبنى بها
تفسير القمي ج : 1ص :89
مدينة و أقام و حفر بئرا فألقى فيها دانيال و ألقى معه اللبوة فجعلت اللبوة تأكل من طين البئر و يشرب دانيال لبنها فلبث بذلك زمانا ، فأوحى الله إلى النبي الذي كان ببيت المقدس أن اذهب بهذا الطعام و الشراب إلى دانيال و أقرئه مني السلام ، قال و أين دانيال يا رب ؟ قال في بئر ببابل في موضع كذا و كذا قال فأتاه فاطلع في البئر فقال يا دانيال ، فقال لبيك صوت غريب قال إن ربك يقرئك السلام و قد بعث إليك بالطعام و الشراب فأدلاه إليه فقال دانيال « الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره الحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة الحمد لله الذي يكشف حزننا [ ضرنا ] عند كربتنا الحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منا الحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننا بأعمالنا » . قال فأوري بخت نصر في نومه كأن رأسه من حديد و رجليه من نحاس و صدره من ذهب ، قال فدعا المنجمين فقال لهم ما رأيت ؟ قالوا ما ندري و لكن قص علينا ما رأيت ؟ فقال و أنا أجري عليكم الأرزاق منذ كذا و كذا و لا تدرون ما رأيت في المنام ، فأمر بهم فقتلوا ، قال فقال له بعض من كان عنده ، إن كان عند أحد شيء فعند صاحب الجب فإن اللبوة لم تعرض له و هي تأكل الطين و ترضعه فبعث إلى دانيال فقال ما رأيت في المنام ؟ قال رأيت كأن رأسك من حديد و رجليك من نحاس و صدرك من ذهب ، قال هكذا رأيت فما ذاك ؟ قال قد ذهب ملكك و أنت مقتول إلى ثلاثة أيام يقتلك رجل من ولد فارس ، قال فقال له إن علي سبع مدائن ، على باب كل مدينة حرس و ما رضيت بذلك حتى وضعت بطة
تفسير القمي ج : 1ص :90
من نحاس على باب كل مدينة لا يدخل غريب إلا صاحت عليه حتى يؤخذ قال فقال له إن الأمر كما قلت لك قال فبث الخيل و قال لا تلقون أحدا من الخلق إلا قتلتموه كائنا من كان و كان دانيال جالسا عنده ، و قال لا تفارقني هذه الثلاثة أيام فإن مضت قتلتك ، فلما كان اليوم الثالث ممسيا أخذه الغم فخرج فتلقاه غلام كان يخدم ابنا له من أهل فارس و هو لا يعلم أنه من أهل فارس ، فدفع إليه سيفه و قال له يا غلام لا تلقى أحدا من الخلق إلا و قتلته و إن لقيتني أنا فاقتلني ، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بخت نصر ضربة فقتله . فخرج أرميا على حماره و معه تين قد تزوده و شيء من عصير فنظر إلى سباع البر و سباع البحر و سباع الجو تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعة ثم قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها و قد أكلتهم السباع ، فأماته الله مكانه و هو قول الله تبارك و تعالى « أو كالذي مر على قرية و هي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه » أي أحياه فلما رحم الله بني إسرائيل و أهلك بخت نصر رد بني إسرائيل إلى الدنيا ، و كان عزير لما سلط الله بخت نصر على بني إسرائيل هرب و دخل في عين و غاب فيها و بقي أرميا ميتا مائة سنة ثم أحياه الله تعالى فأول ما أحيا منه عينيه في مثل غرقىء البيض فنظر فأوحى الله تعالى إليه كم لبثت قال لبثت يوما ثم نظر إلى الشمس و قد ارتفعت فقال أو بعض يوم فقال الله تعالى بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك و شرابك لم يتسنه أي لم يتغير و انظر إلى حمارك و لنجعلك آية للناس و انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطرة تجمع إليه و إلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألف إلى العظام من هاهنا و هاهنا
تفسير القمي ج : 1ص :91
و يلتزق بها حتى قام و قام حماره فقال أعلم أن الله على كل شيء قدير .
و أما قوله و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أ و لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا و اعلم أن الله عزيز حكيم فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليهالسلام) أن إبراهيم (عليهالسلام) نظر إلى جيفة على ساحل البحر تأكله سباع البر و سباع البحر ثم تحمل السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا فتعجب إبراهيم (عليهالسلام) « فقال رب أرني كيف تحيي الموتى ... إلخ » فأخذ إبراهيم (عليهالسلام) الطاووس و الديك و الحمام و الغراب فقال الله عز و جل « فصرهن إليك » أي قطعهن ثم اخلط لحمهن و فرقهن على عشرة جبال ثم خذ مناقيرهن و ادعهن يأتينك سعيا ، ففعل إبراهيم ذلك و فرقهن على عشرة جبال ثم دعاهن فقال أجيبني بإذن الله تعالى ، فكانت تجمع و يتألف لحم كل واحد و عظمه إلى رأسه و طارت إلى إبراهيم ، فعند ذلك قال إبراهيم إن الله عزيز حكيم .
و قوله و الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا و لا أذى الآية فإنه قال الصادق (عليهالسلام) قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) من أسدى إلى مؤمن معروفا ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد أبطل الله صدقته ثم ضرب الله فيه مثلا فقال كالذي ينفق ماله رئاء الناس و لا يؤمن بالله و اليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا و الله لا يهدي القوم الكافرين و قال من أكثر منه و أذاه لمن يتصدق عليه بطلت صدقته كما يبطل التراب الذي يكون على صفوان ، و الصفوان الصخرة الكبيرة التي تكون على مفازة فيجيء المطر فيغسل التراب عنها و يذهب به ، فضرب الله هذا المثل لمن اصطنع معروفا ثم أتبعه بالمن و الأذى ، و قال الصادق (عليهالسلام) ما شيء أحب إلي من
تفسير القمي ج : 1ص :92
رجل سلف مني إليه يد أتبعته أختها و أحسنت بها له لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل ، ثم ضرب مثل المؤمنين مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله و تثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل و الله بما تعملون بصير قال « مثلهم كمثل جنة » أي بستان في موضع مرتفع « أصابها وابل » أي مطر « فأتت أكلها ضعفين » أي يتضاعف ثمرها كما يتضاعف أجر من أنفق ماله « ابتغاء مرضات الله » و الطل ما يقع بالليل على الشجر و النبات ، و قال أبو عبد الله (عليهالسلام) و الله يضاعف لمن يشاء لمن أنفق ماله ابتغاء مرضات الله ، قال فمن أنفق ماله ابتغاء مرضات الله ثم امتن على من تصدق عليه كان كما قال الله أ يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل و أعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات و أصابه الكبر و له ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت قال الإعصار الرياح ، فمن امتن على من تصدق عليه كمن كان له جنة كثيرة الثمار و هو شيخ ضعيف له أولاد صغار ضعفاء فتجيء ريح أو نار فتحرق ماله كله ، و أما قوله يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم و مما أخرجنا لكم من الأرض و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون و لستم بآخذيه فإنه كان سبب نزولها أن قوما كانوا إذا صرموا النخل عمدوا إلى أرذل تمورهم فيتصدقون بها ، فنهاهم الله عن ذلك ، فقال « و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون و لستم بآخذيه » أي أنتم لو دفع ذلك إليكم لم تأخذوه و أما قوله الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء فإن الشيطان يقول لا تنفق فإنك تفتقر و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا أي يغفر لكم إن أنفقتم لله « و فضلا » قال يخلف عليكم ، و قوله يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا قال الخير الكثير معرفة أمير المؤمنين و الأئمة (عليهمالسلام) ، و قوله إن تبدوا الصدقات فنعما هي قال الزكاة المفروضة تخرج علانية و تدفع علانية
تفسير القمي ج : 1ص :93
و بعد ذلك غير الزكاة إن دفعته سرا فهو أفضل و قوله ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا فهم الذين لا يسألون الناس إلحافا من الراضين و المتجملين في الدين الذين لا يسألون الناس إلحافا و لا يقدرون أن يضربوا في الأرض فيحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف عن السؤال .
و قوله الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال قال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) لما أسري بي إلى السماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر أن يقوم من عظم بطنه ، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، و قوله يمحق الله الربا و يربي الصدقات قال قيل للصادق (عليهالسلام) قد نرى الرجل يربي و ماله يكثر فقال يمحق الله دينه و إن كان ماله يكثر و قوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإنه كان سبب نزولها أنه لما أنزل الله تعالى « الذين يأكلون الربا إلخ » فقام خالد بن الوليد إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) فقال يا رسول الله ربا أبي في ثقيف و قد أوصاني عند موته بأخذه فأنزل الله تبارك و تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله قال من أخذ الربا وجب عليه القتل و كل من أربى وجب عليه القتل ، و أخبرني أبي عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال درهم من ربا أعظم عند الله من سبعين زنية بذات محرم في بيت الله الحرام ، قال إن
تفسير القمي ج : 1ص :94
للربا سبعين جزءا أيسره أن ينكح الرجل أمه في بيت الله الحرام .
و أما قوله و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فإنه حدثني أبي عن السكوني عن مالك بن مغيرة عن حماد بن سلمة عن جذعان عن سعيد بن المسيب عن عائشة أنها قالت سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) يقول ما من غريم ذهب بغريمه إلى وال من ولاة المسلمين و استبان للوالي عسرته إلا برىء هذا المعسر من دينه و صار دينه على والي المسلمين فيما في يديه من أموال المسلمين ، قال (عليهالسلام) و من كان له على رجل مال أخذه و لم ينفقه في إسراف أو في معصية فعسر عليه أن يقضيه فعلى من له المال أن ينظره حتى يرزقه الله فيقضيه ، و إن كان الإمام العادل قائما فعليه أن يقضي عنه دينه لقول رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) من ترك مالا فلورثته و من ترك دينا أو ضياعا فعلى الإمام ما ضمنه الرسول ، و إن كان صاحب المال موسرا تصدق بماله عليه أو تركه فهو خير له لقوله و أن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون و أما قوله يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه فقد روي في الخبر أن في سورة البقرة خمس مائة حكم و في هذه الآية خمسة عشر حكما و هو قوله « يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه و ليكتب بينكم كاتب بالعدل و لا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله » ثلاثة أحكام « فليكتب » أربعة أحكام « و ليملل الذي عليه الحق » خمسة أحكام و هو إقراره إذا أملأ « و ليتق الله ربه و لا يبخس منه شيئا و لا يخونه » ستة أحكام « فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو » أي لا يحسن أن يمل « فليملل وليه بالعدل » يعني ولي المال سبعة أحكام استشهدوا شهيدين من رجالكم ثمانية أحكام « فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى » يعني إن تنسى إحداهما فتذكر أخرى تسعة أحكام « و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا » عشرة أحكام « و لا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله » أي لا تضجروا
تفسير القمي ج : 1ص :95
أن تكتبوه صغير السن أو كبيرا أحد عشر حكما « ذلكم أقسط عند الله و أقوم للشهادة و أدنى أن لا ترتابوا » أي لا تشكوا « إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها » اثنا عشر حكما « و اشهدوا إذا تبايعتم » ثلاثة عشر حكما « و لا يضار كاتب و لا شهيد » أربعة عشر حكما « و إن تفعلوا فإنه فسوق بكم » خمسة عشر حكما « و اتقوا الله و يعلمكم الله و الله بكل شيء عليم » و قوله و إن كنتم على سفر و لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا أي يأخذ منه رهنا فإن أمنه و لم يأخذ منه رهنا « فليتق الله ربه » الذي أخذ المال و قوله « و لا تكتموا الشهادة » معطوف على قوله « و استشهدوا شهيدين من رجالكم » .
و أما قوله آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله (عليهالسلام) أن هذه الآية مشافهة الله تعالى لنبيه (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) ليلة أسري به إلى السماء قال النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) انتهيت إلى محل سدرة المنتهى و إذا بورقة منها تظل أمة من الأمم فكنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى كما حكى الله عز و جل فناداني ربي تبارك و تعالى « آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه » فقلت أنا مجيب عني و عن أمتي و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير فقال الله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت فقلت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا و قال الله لا أؤاخذك ، فقلت ربنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا فقال الله لا أحملك ، فقلت ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين فقال الله تعالى قد أعطيتك ذلك لك و لأمتك ، فقال الصادق (عليهالسلام) ما وفد إلى الله تعالى أحد أكرم من رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) حيث سأل لأمته هذه الخصال .